
الإتـحـاد بيـن حمايـة الصحفيـيـن وصناعة القيود..هاجرسليمان نموذجًا
واقعة القبض على الصحفية هاجر سليمان وترحيلها إلى دنقلا قبل إطلاق سراحها بالكفالة، حلقة جديدة في سلسلة التحديات التي تواجه الصحفيين ، لا سيما الصحفيات ، في قضايا النشر وما يحيط بها من إجراءات قد تتجاوز أثرها القانوني إلى أبعاد إنسانية واجتماعية أكثر تعقيدًا ، وبالتزامن، جاء بيان الاتحاد العام للصحفيين السودانيين رافضًا ترحيل الصحفيين بين الولايات، ومشددًا على ضرورة الالتزام بالمسارات القانونية، مع كشفه—في ذات الوقت—عن مشاركته المتقدمة في إعداد قانون جديد لتنظيم الإعلام.
هذا التزامن بين الواقعة والموقف يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة :هل يكتفي الاتحاد بالدفاع عن الصحفيين—رجالًا ونساءً—في مواجهة الإجراءات ? أم يتجاوز ذلك إلى المشاركة في صياغة الإطار القانوني الذي قد يعيد تعريف هذه الإجراءات ذاتها؟

الصحفية الإستقصائية هاجر سليمان، ومسيرة طويلة من الترحال القسري في جغرافيا البلاغات، آخرها كان في “دنقلا”، وهو البيان الذي أثار البيان والجدال الحالي، وهو ليس الأول من نوعه بالنسبة لهاجر سليمان، التي تقيم في الخرطوم. فقد دأبت على التنقل بين الولايات على خلفية بلاغات نشر سابقة، آخرها كان في بورتسودان، ما يجعل تجربتها نموذجًا حيًا يوضح التحديات التي تواجه الصحفيات في ظل الإجراءات القانونية المتكررة.
▪تم ترحيل الصحفية هاجر قسرًا من الخرطوم إلى دنقلا، قبل إطلاق سراحها بالكفالة. ورغم إشادتها بحسن المعاملة والاحترافية التي أبدتها قوات الشرطة في كل مراحل القبض والترحيل ، إلا أن المعاناة الحقيقية تجلت في مشقة الإقامة والتنقل، والعودة إلى بيتها في الخرطوم بعد إطلاق السراح ، كذلك بلاغ بورتسودان، وهنا، يبرز السؤال الأهم: هل يمكن للإجراءات القانونية—حتى لو كانت صحيحة من حيث الشكل—أن تراعي البعد الإنساني، خاصة للصحفيات اللاتي يواجهن تحديات إضافية تتجاوز الإطار المهني إلى اعتبارات السلامة والظروف الاجتماعية؟ هل هناك مساحات قانونية كافية لتخفيف الأثر على الأفراد؟ أم أن التطبيق الصارم قد يحول الإجراءات إلى عبء مضاعف؟
في الوقت نفسه، يطرح بيان الاتحاد مجموعة من التساؤلات الجوهرية:
كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية الحريات الصحفية وصون المجتمع من النشر الضار؟ هل يمكن للبدائل المهنية، مثل “حق الرد و التصحيح”، أن تقلل الحاجة إلى اللجوء للإجراءات القضائية؟ ولماذا لا تكون الإجراءات الأولية والإحضار بموجب تكليف بالحضور بدلاً من إجراءات القبض الشبيهة بالبلاغات الجنائية أكثر من كونها بلاغات نشر صحفي ؟ إلى أي مدى يمكن أن تُستخدم هذه المرونة القانونية لتخفيف الأثر على الصحفيين بدلًا من أن تتحول إلى أداة ضبط إضافية؟
▪️هذه التساؤلات تعكس صعوبة الموازنة بين العدالة القانونية، والاستقلال الصحفي، والبعد الإنساني، خاصة حين يتعلق الأمر بالزميلات الصحفيات مثل هاجر سليمان، اللواتي تتحملن أعباء مضاعفة في مواجهة القانون والمجتمع معًا ، وهو ما يقودنا الي إعادة تعريف لدور الاتحاد الذي – يشارك في تشريع قانون جديد للإعلام – هل سيظل مظلة نقابية لحماية الصحفيين والدفاع عنهم؟ أم سيتحول تدريجيًا إلى جزء من منظومة تنظيم وتقنين تُستخدم “لضبط” المجال الإعلامي أكثر من “حمايته”؟
الإجابة لن تتضح إلا عند تطبيق القانون، حينها سيُرسم موقع الاتحاد بدقة:
هل يقف إلى جانب الصحفيين… أم إلى جانب نصوص شارك في صياغتها؟
خلاصة القول ومنتهاه
▪️أخطر ما يمكن أن يواجه أي جسم مهني، ليس الصدام مع السلطة، بل الذوبان فيها،وما بين نصوص القانون وتقديرات التطبيق، تقف قصص إنسانية—كقصة هاجر سليمان—لتذكرنا بأن العدالة لا تُقاس فقط بصحة الإجراءات، بل بقدرتها على صون الكرامة، خاصة حين يتعلق الأمر بالزميلات الصحفيات وما يواجهنه من أعباء مضاعفة، بما في ذلك مشقة الإقامة والتنقل، والعودة إلى منازلهن بعد إطلاق السراح.
▪️وبين الدفاع عن الصحفيين، والمشاركة في صناعة القوانين، خيط رفيع… تجاوزه قد يفقد الاتحاد أهم ما يملكه: استقلاله، ومشروعيته، وثقة من يفترض أن يمثلهم.
وهاجر سليمان تبقى مثالًا حيًا على أهمية حماية الصحفيات في كل خطوات الممارسة المهنية، وضرورة مراعاة البعد الإنساني والقانوني معًا.








