السودان بين وهم التسويات وحتمية المواجهة السياسية!

الخرطوم _ زحل نيوز
ليس السؤال: ماذا يحدث في الإقليم؟
السؤال الحقيقي: كيف يُعاد ترتيب السودان في خرائط ما بعد الحرب؟
الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ليست حدثًا عسكريًا معزولًا، بل حلقة في مشروع إعادة هندسة سياسية إقليمية ودولية. ومن لا يقرأ الخرائط بعيون باردة سيُدفن تحت ركام الشعارات.
أولاً: ليس كل احتلال يُسقط النظام… وليس كل حرب تُبقي الدولة
التاريخ يقدّم نماذج واضحة:
ألمانيا انقسمت إلى شرقية وغربية، لكن بنية الدولة لم تُمحَ.
اليابان ضُربت بسلاح دمار شامل، ومع ذلك استمر النظام السياسي.
مصر فقدت سبع من أراضيها، لكن الدولة لم تسقط 1967م.
في المقابل، عام 2003 سقط النظام السياسي في العراق بالكامل.
أما سوريا فخضعت لمسار تغيير سياسي طويل دون انهيار رسمي كامل للدولة.
الدرس النخبوي الصريح هنا:
ليست الهزيمة العسكرية هي ما يُسقط الأنظمة، بل هشاشة البنية السياسية الداخلية.
ثانياً: العطب الحقيقي… الدولة الموازية
القاسم المشترك بين الأنظمة التي تتهاوى ليس “الشمولية” أو “المركزية” فقط، بل ظاهرة أخطر:
الأجسام الموازية لمؤسسات الدولة.
دفاع شعبي موازٍ للجيش
شرطة شعبية موازية للشرطة
أمن شعبي موازٍ للأمن
حين تتحول الدولة إلى طبقات أمنية متراكبة، تفقد احتكارها للعنف المشروع، وتصبح مجرد واجهة.
وهنا مكمن الخطر السوداني.
ثالثاً: الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأمريكية… إطار تسوية لا مواجهة نهائية
الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ليس حرب إبادة متبادلة، بل أداة ضغط ضمن تسوية سياسية أوسع.
هناك مشروعان يتصارعان:
مشروع أوروبي قائم على الإزاحة وإعادة التموضع نخبوي قوتة في التمويل السياسي.
مشروع أمريكي قائم على التعاون المشروط والهيمنة عبر الاقتصاد.
الاستراتيجية الأمريكية لا تُبنى على المدافع فقط، بل على الدولار كعملة عالمية، وعلى شبكة تحالفات تُدار بمنطق المصالح لا العواطف.
أما أوروبا، فقد خرجت تدريجيًا من مركز الفعل و أصبحت أوربا التاريخية خارج المشهد السياسي السوداني و الأقليم و العالم. الخطاب الذي كان يُدار بثنائية “شرقي وغربي” سقط تحت ضغط التحديات الجديدة.
رابعاً: السودان… هل سيكون غزة أخرى؟
إن نهاية المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لن يحددها سوى القرار الأمريكي.
والترتيب الجاري – بوضوح – يتقاطع مع:
مشروع تسوية في غزة
إعادة هندسة المشهد في السودان
الربط بين الملفات ليس صدفة.
فالتسويات الإقليمية تُدار كسلة واحدة.
السؤال الجارح:
هل سيُعاد تشكيل السودان بنموذج حرب تُفرض بعدها تسوية جاهزة؟
أم سنبادر نحن بصناعة بديل سياسي وطني قبل أن تُفرض علينا خرائط الآخرين؟
خامساً: صناعة البديل… ضرورة لا شعار
البديل لا يعني تبديل الوجوه.
البديل يعني:
تفكيك الأجسام الموازية للدولة.
إعادة تعريف مهام المؤسسات السيادية بوضوح دستوري صارم.
بناء مشروع وطني لا ينتظر رضى الخارج.
نقل الصراع من ساحة السلاح إلى ساحة الشرعية السياسية.
من لا يملك مشروعه، يصبح بندًا في مشروع غيره.
الخلاصة الحادة
السودان ليس معزولًا عن الحرب الإقليمية.
لكنه أيضًا ليس قدرًا محتومًا.
إذا استمررنا في قراءة الأحداث بعين ردّ الفعل، سنُدار كملف أمني.
أما إذا أنتجنا بديلًا سياسيًا نخبويًا واضح المعالم، فسنفرض أنفسنا كرقم في المعادلة.
التاريخ لا يرحم الدول الهشة.
والفراغ السياسي يُملأ دائمًا… لكن ليس بالضرورة بأيدٍ وطنية.




