مقالات

السودان وإثيوبيا.. حين تتحدث الشعوب قبل الحكومات

أبو عبيدة البقاري .. كندا-لندن أونتاريو 

السودان وإثيوبيا.. حين تتحدث الشعوب قبل الحكومات

تابعت باهتمام الحوار الذي أجرته قناة ملوك النيل مع الأخ الأستاذ عبد الله مصطفى إدريس، وهو حوار أراه جديراً بالتوقف عنده، ليس فقط لما حمله من رسائل مهمة، وإنما لأنه أعاد إلى الواجهة قضية ظللنا نعرف أهميتها، لكننا ربما لم نمنحها ما تستحق من الاهتمام للعلاقات الشعبية السودانية الإثيوبية

لقد لفت الأستاذ عبد الله النظر إلى جانب بالغ الأهمية، وهو أن العلاقة بين الشعبين السوداني والإثيوبي لا ينبغي أن تُختزل في العلاقات الرسمية بين الحكومات، أو في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية المتغيرة، فهناك تحت كل ذلك نسيج إنساني واجتماعي وتاريخي أعمق وأقدم

بين السودان وإثيوبيا رحمٌ من التاريخ، ودمٌ من الجوار، وأرضٌ مشتركة، وماءٌ وحركةُ بشرٍ وثقافات

فإثيوبيا ليست بلداً بعيداً عن السودان، بل هي جزء أصيل من محيطه التاريخي والجغرافي والإنساني. وما يجمع الشعبين أكبر بكثير مما تفرقه السياسة العابرة أو الخلافات الظرفية

 

السودان وإثيوبيا.. حين تتحدث الشعوب قبل الحكومات

وعندما نتأمل تاريخ الهجرات والحركة البشرية بين البلدين، نجد أن السودان ظل على مدى عقود طويلة واحداً من أهم الوجهات للإثيوبيين، كما كانت إثيوبيا جزءاً أصيلاً من حركة السودانيين وتواصلهم مع شعوب الهضبة الإثيوبية

ولذلك لا تكاد تخلو مدينة سودانية من حضور إثيوبي، سواء في الخرطوم أو مدن الأقاليم، وقد أصبح هذا الحضور جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للسودان

والأجمل من ذلك أن كثيراً من الإثيوبيين الذين عاشوا في السودان لم يكونوا مجرد مقيمين عابرين، وإنما أصبحوا جزءاً من الحياة السودانية، وشاركوا في مجالات متعددة؛ في العمل والحركة الاجتماعية والثقافية والأدبية والسياسية، وترك بعضهم بصمات لا يمكن تجاهلها في الذاكرة السودانية

وفي المقابل، فإن الثقافة الإثيوبية بمكوناتها المتعددة تركت حضوراً واضحاً في السودان، وأصبح التداخل الشعبي والثقافي بين البلدين ظاهرة تستحق الدراسة والتوثيق، لا سيما من الباحثين في التاريخ والأنثروبولوجيا والاجتماع

ومن هنا تأتي أهمية ما يقوم به الأستاذ عبد الله مصطفى إدريس من زيارات وتواصل مع الإثيوبيين، وانتقاله بين المدن والتجمعات والمساجد والفعاليات الاجتماعية، وما وجده من ترحاب وتفاعل

إن مثل هذه المبادرات الشعبية، مهما بدت فردية في بدايتها، يمكن أن تتحول إلى جسور حقيقية بين الشعوب

ولذلك أعتقد أن المطلوب ليس فقط الإشادة بهذه المبادرة، وإنما البناء عليها وتوسيعها

فإذا كان فرد سوداني قد استطاع بجهده الشخصي أن يصل إلى هذه المجتمعات، ويتواصل معها، ويجد منها كل ذلك الترحيب، فما الذي يمكن أن يحدث إذا تحولت المبادرة إلى مشروع شعبي منظم، تشارك فيه المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية والرياضية والاجتماعية في البلدين؟

نحن بحاجة إلى لجان شعبية وثقافية مشتركة، وإلى زيارات متبادلة، وندوات، وملتقيات، ومشروعات توثيقية، وإلى أن تعود الصحافة السودانية والإثيوبية إلى البحث في التاريخ المشترك بين الشعبين

نحتاج أيضاً إلى أن يلتقي المؤرخون والباحثون والأنثروبولوجيون، وأن تُدرس الهضبة الإثيوبية والسودان ليس باعتبارهما فضاءين منفصلين، وإنما باعتبارهما جزءاً من مجال إنساني وجغرافي متداخل

كما أن الأجيال الجديدة في البلدين تحتاج إلى معرفة هذا التاريخ المشترك ،لأن بناء المستقبل لا يكون فقط بالاتفاقيات الرسمية، وإنما يبدأ أحياناً من معرفة الشعوب بعضها ببعض

إن السودان وإثيوبيا لا يستطيعان تغيير موقعهما الجغرافي، ولا يستطيعان إلغاء التاريخ الذي جمعهما، ولا يمكنهما أن يتجاهلا حقيقة أن بينهما حدوداً طويلة وشعوباً متداخلة ومصالح مشتركة في الزراعة والمياه والتجارة والثقافة والأمن والمجتمع

ولهذا فإن توطيد العلاقة الشعبية بين السودانيين والإثيوبيين ليس ترفاً سياسياً أو ثقافياً، بل ضرورة تاريخية واستراتيجية

وقد يكون من المفيد أن تنظر الدولة السودانية إلى هذه الجهود الشعبية باعتبارها رصيداً ينبغي دعمه، لا نشاطاً فردياً ينبغي أن يظل معزولاً. فالدبلوماسية الشعبية تستطيع في كثير من الأحيان أن تصل إلى أماكن لا تصل إليها الدبلوماسية الرسمية

والأستاذ عبد الله مصطفى إدريس، بما عُرف عنه من اهتمام بالتواصل الاجتماعي والسعي إلى خدمة العلاقات السودانية مع الآخرين، يقدم نموذجاً يمكن البناء عليه وتطويره في إطار أوسع

إنني أرى أن هذه المبادرة تستحق أن تجد حولها التفافاً من المثقفين والإعلاميين والباحثين والرياضيين ومنظمات المجتمع المدني، وأن تتحول من جهد فردي إلى مشروع شعبي سوداني إثيوبي مستدام

فالشعوب هي التي تبقى حين تتغير الحكومات، والذاكرة الشعبية أطول عمراً من البيانات السياسية

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون أفضل وسيلة لحماية مستقبل العلاقات السودانية الإثيوبية هي أن نتحدث فقط عن الخلافات، وإنما أن نستعيد ما يجمعنا، وأن نضع أيدينا على جذور العلاقة العميقة بين الشعبين

إن بين السودان وإثيوبيا أكثر من حدود سياسية؛ بينهما ذاكرة بشرية مشتركة، وحركة تاريخ، ووشائج اجتماعية وثقافية لا يمكن اختزالها في السياسة وحدها

ومن هنا، فإن مبادرة الأخ عبد الله مصطفى إدريس تستحق أن يُلتفت إليها، وأن تُقرأ باعتبارها دعوة صادقة إلى إعادة اكتشاف ما بين الشعبين، وبناء جسور جديدة للمستقبل

ولعل الخطوة الأولى تبدأ بكلمة بسيطة

لنقترب من بعضنا أكثر، كشعوب، قبل أن نطالب الحكومات بأن تقترب

والسلام على السودان وإثيوبيا، وعلى شعبيهما، وعلى كل جسرٍ إنساني يُبنى بينهما

ودمتم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى