مقالات

السودان والسعودية.. هل تفلح المساعي لتدارك خطر الإنهيار!

متابعات | زحل نيوز 

السودان والسعودية.. هل تفلح المساعي لتدارك خطر الإنهيار!

 

كتب_ محمد الفاتح حسين

إن فهم الموقف السعودي العميق تجاه الأزمة السودانية يتطلب تجاوز قراءة الأحداث اليومية، والغوص في كواليس التحولات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل سياسة الرياض، فما نشهده اليوم ليس مجرد ردود أفعال، بل هو تطبيق لاستراتيجية متكاملة تهدف إلى حماية “الدولة السودانية” من خطر الانهيار، وتأمين الجوار الإقليمي من تداعيات “وجع الراس” الذي لا ينتهي.

السودان خطر يطرق أبواب الأمن القومي السعودي:
لم يكن الاهتمام السعودي بسلامة السودان ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية فرضتها حقائق الجغرافيا والمستقبل،

فالسعودية الجديدة، بعيون “رؤية 2030“، ترى في البحر الأحمر شريانها الاقتصادي الحيوي ومسرح مشاريعها المستقبلية العملاقة، وأي انهيار على الساحل الغربي لهذا البحر يعني تحول الخاصرة الرخوة للمملكة إلى مصدر تهديد دائم.

السودان والسعودية.. هل تفلح المساعي لتدارك خطر الإنهيار!

من هنا، كان اندلاع تمرد “الدعم السريع” بمثابة جرس إنذار فالأزمة لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت بسرعة إلى خطرين رئيسيين:
1. خطر “الدولة الفاشلة”: إن استمرار التمرد يهدد بتفكيك السودان وتحويله إلى دولة فاشلة، وهو ما يعني خلق خطر أمني على حدود المملكة، يصبح مرتعاً للجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.
2.خطر “ساحة تصفية الحسابات”: مع طول أمد الصراع، تحول السودان إلى مسرح مفتوح للقوى الإقليمية والدولية التي تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة، هذا التدخل الخارجي، وخصوصاً الدعم المقدم للتمرد، يهدد بتحويل السودان إلى حرب بالوكالة طويلة الأمد، وهو ما تعتبره الرياض تهديد يمس أمنها مباشرةً.

منطق “الحسم” كضرورة وإدراك طبيعة التمرد:
في بداية الأزمة، تحركت الدبلوماسية السعودية عبر “منبر جدة” أملاً في احتواء الموقف، لكن الممارسات الوحشية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وخصوصاً في دارفور ومأساة الفاشر، كشفت عن حقيقة صادمة، أن هذه القوات ليست طرفاً سياسياً يمكن التفاوض معه، بل هي قوة عسكرية منفلتة، لا تعترف بقانون ولا بمنطق دولة، “ان هم كالانعام بل هم اضل سبيلا” وما فيها مجال للشك.

لقد تشكلت قناعة راسخة لدى الرياض بأن هذه الميليشيا، بطبيعتها التدميرية، لا يمكن السيطرة عليها أو دمجها، وانها كيان سرطاني يهدد بابتلاع الدولة، وبالتالي، أصبح منطق “قطع العرق وسيح دمه”، أي إبادة التمرد كقوة عسكرية، هو الخيار الوحيد لضمان بقاء السودان موحداً، هذا الإدراك هو ما نقل الموقف السعودي من محاولة الوساطة إلى دعم ضرورة الحسم العسكري.

السودان والسعودية.. هل تفلح المساعي لتدارك خطر الإنهيار!

هندسة المستقبل: متطلبات المشهد السياسي الجديد:
هذا التحول في فهم طبيعة المعركة أدى بالضرورة إلى تحول في رؤية “الحل”، وأصبحت هندسة مرحلة ما بعد دحر التمرد، ترتكز على محورين:
1. دعم الجيش الوطني: دعم المؤسسة العسكرية السودانية، باعتبارها “عمود البيت”والضامن الأخير لوحدة البلاد وسيادتها، ركيزة أساسية في السياسة السعودية، فالبديل عن الجيش هو الفوضى الشاملة، وهو سيناريو تسعى الرياض لمنعه بكل ثقلها.

2. متطلبات المرحلة الجديدة: بالتوازي مع دعم الحسم، يرى الناظر الى الوضع السياسي في السودان بوضوح أن مرحلة إعادة الإعمار وبناء الدولة الحديثة ستتطلب رؤى وشراكات دولية وإقليمية جديدة، هذه المتطلبات قد لا تتوافق بالضرورة مع الطروحات السياسية لبعض الأحزاب التقليدية، مما سيضع هذه الأحزاب أمام تحدٍ حقيقي، فالاستمرار في المشهد المستقبلي سيتطلب منها مراجعة عميقة لسياساتها ومبادئها لتكون جزءاً من رؤية وطنية شاملة تركز على التنمية والاستقرار، وإلا فإنها قد تجد نفسها خارج سياق المرحلة.

التحليل يقودنا إلى استنتاج بأن الأولوية ستكون للقوى التي تتبنى برامج عمل واقعية، قادرة على التناغم مع محيطها الإقليمي والدولي، ووضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.

“خلاصة القول ونافلته”، إن الموقف السعودي الحالي هو نتاج قراءة استراتيجية عميقة، أدركت أن أمنها القومي مرتبط عضوياً ببقاء الدولة السودانية ” وهذا ما نحسبه في الاقليم بصورة عامة” وزي ما قال مالك عقار قبل كدا ” السودان دا عمود النص لافريقيا والعالم اجمع، اذا انكسر العالم دا بنهار” .

لقد انتقلت الرياض من دور الوسيط إلى دور الشريك الفاعل الذي يرى أن مستقبل السودان الآمن يقوم على ثلاثة أعمدة لا غنى عنها: جيش وطني ، حسم عسكري للتمرد، وتهيئة الظروف لولادة مشهد سياسي جديد.

محمد الفاتح حسين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى