الشاذلي حامد المادح : الأسئلة العارية !!

الشاذلي حامد المادح : الأسئلة العارية !!
عاش حياة هادئة و مطمئنة داخل أسرته الصغيرة ، مع زوجته و أبنتيه ، قبل أن تصطاده مكالمة شاردة إستقبلها هاتف المنزل في ساعة متأخرة من الليل .. رفع السماعة بحذر و ترقب ، فباغته الطرف الأخر من المكالمة بالإفتتاحية المألوفة : (ألووو) . رد عليه : “عليكم السلام” فأعاد الطرف الأخر السماعة قاطعاً المكالمة ، لتهبط الأجراس المتقطعة على أذنه كأنها زلزال مدمر يضرب من تحت قدميه .
كانت علاقته بالهاتف محدودة لا تتعدى الخط الأرضي و تشاركه أسرته في مقاطعة الهواتف المحمولة ووسائط التواصل الإجتماعي كافة ، كان يعتبرها خطراً داهماً يحرم الناس بركة أوقاتهم و سلامة أذهانهم و يرميهم في دوامة من الصخب لا تنقطع و عداوات بلا مقدمات .
إنتزع السماعة من أذنه و ظل يتفحصها بذهول كأنها دليل مادي لجريمة إرتكبت من ورائه .. ربع ساعة مرت قبل أن تستقر السماعة في مكانها على الهاتف .. يجرّ خطواته بشق الأنفس إلى أقرب كرسي و يرمي بجثته المنهكة عليه دون أن يفلت الهاتف من ناظريه .
بدأت الشكوك تنتج طاقتها الهائلة و كأنها تنتقم للسنوات الطويلة التي قضتها خارج أسوار المنزل حتى وجدت ضالتها في تلك المكالمة الغامضة التي طرقت بابه في ساعة متأخرة من الليل ، لتدخله حالة لم يألفها من قبل و هو بلا تجارب تحصنه أو تساعده على الهروب من هذا الذي هو بين يديه الأن .
تستعر الأسئلة في ذهنه بمتوالية هندسية .. يطرح السؤال على نفسه و ينتقل الي السؤال الذي يليه دون أن يحصل على إجابة لسؤال سابق و هكذا تستعصي الأجوبة في عالم الشك لأنها “أسئلة عارية” متسارعة ينسخ بعضها بعضاً و تفعل فعلها داخل حلقة مفرغة تتكرر بداياتها قبل أن تصل إلى أي نهاية تضع حداً لهذه الليلة الطويلة .
عجز الرجل عن ممارسة الشك على إبنتيه ، فهنّ سكنه و فخره و مثال للأدب و الذوق الرفيع و لكن المكالمة كانت تضغط عليه و تجردُه من ثقته حين تحاصره الظنون .. من من إبنتيه كان يطلبها الطارق ..؟ و لماذا هرب عندما وجده على الهاتف؟ .. لساعة هو على الحال نفسه حتى شعر بكف زوجته تهبط على كتفه بلطفها المعهود لتقطع عليه شروده .
لأول مرة في حياته يمارس الهروب من زوجته و هي غير عابئة بحاله لأن الأسرة بكاملها بلا تجارب .. تركته لشروده و بقي هو حتى صلاة الفجر دون أن يغمض له جفن .. يقرر عشرات القرارات ثم يعود و ينسخها خوفاً من مواجهة تدمر أسرته الصغيرة .
قبل أن ينهض من كرسيه رن الهاتف من جديد .. أسرع و هو يسابق أجراسه المتواصلة و كأنه يطارد لصاً سطا على بيته .. رفع السماعة بترقب و حذر و هو ينتظر ليسمع أولا .. فسمع الطرف الأخر يتحدث مع شخص بجانبه : (كان من الأفضل أن تنتظر .. ما زال الوقت مبكراً) ..
بادر الأب بنبرة حادة : “ألووو” ، فرد عليه ذات الصوت : “اتصلت لأعتذر عن مكالمة أجريتها بالخطأ .. آسف” و أغلق الهاتف .. أعاد السماعة و مع إستدارته وجد إحدى إبنتيه تقبل عليه و تبادره و بصوت واثق : (إن شاء الله خير يا أبوي؟) .. أشاح عنها و عجز عن نطق كلمة خير و أسرع مغادراً منزله ليجهز لصلاة الفجر من المسجد ، لأول مرة في حياته ..

الخرطوم ٥ فبراير 2005م .. الشاذلي المادح








