مقالات

بين حوار البرهان والفيتوري.. وأقنعة الدم

ناجي الكرشابي

بين حوار البرهان والفيتوري.. وأقنعة الدم

ناجي الكرشابي

في كل مرة يقف فيها القائد البرهان، مخاطباً الشعب السوداني في المناسبات والأعياد والمحطات المفصلية، تعود قضية “الحوار الوطني” لتطرح نفسها كمسار لا بديل عنه للخروج من نفق الحرب المظلم.

غير أن الدعوة الأخيرة وضعت النقاط فوق الحروف — إذا ما التزمت الحكومة بترجمتها إلى واقعٍ تنفيذاً وتطبيقاً — فقد أعلن البرهان أن هذا الحوار سيشارك فيه “أصحاب الوجعة”، وأن الحكومة ستقدم الدعوة للقوى الوطنية من غير الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوداني، مع التزام الدولة بتوفير كل ما يلزم لإنجاح الحوار وتنفيذ مخرجاته.

بين حوار البرهان والفيتوري.. وأقنعة الدم

وفي هذه الأيام المباركة، تقف الذاكرة السودانية إجلالاً لأسر الشهداء، وقبلهم لأولئك الشهداء الأبرار من العسكريين والمدنيين الذين سقطوا ضحية لغدر المليشيا المتمردة وانتهاكاتها الممنهجة.

وأمام هذا المشهد المصيري، أقول: أوليس هؤلاء الشهداء وأسرهم الصابرة هم أصحاب الدماء التي قصدها البرهان؟ أوليسوا هم المعيار الحقيقي والوحيد لأي حديث يجري عن السلام، أو الحوار، أو المصالحة؟

إن الوفاء لهؤلاء الشهداء يقتضي أن يكون دمهم ميثاقاً أخلاقياً وخطاً أحمر رسمته التضحيات الجسام، وتأكيداً على أن هذه الدماء الطاهرة هي معيار الفرز الوطني الذي يُحتكم إليه؛ فمن أرخصها أو أراقها أو تواطأ على إهدارها، فقد أسقط بنفسه حقه الأخلاقي في أن يكون جزءاً من أي مشروع يسعى لبناء مستقبل السودان.

وحين نبحث عمن تنطبق عليه هذه الأوصاف، فإن مساحة التأويل تضيق إلى حد التلاشي. أليس من تماهى وخطط ونفّذ عمليات استهداف البنية التحتية، والمستشفيات، والمدارس، واحتل منازل المواطنين العُزّل، واستباح الأعراض، ونهب الأملاك، وهجّر الملايين من ديارهم ليموتوا في منافي النزوح واللجوء، هو المعني الأول بتلك الأيادي الملطخة بالدماء؟

أليس كل من أطلق رصاصة أو قذيفة غادرة على جندي يؤدي واجبه في حماية الوطن، أو على مدني بريء لا ذنب له سوى تمسكه بأرضه وبيته، هو المعني بهذا الوصف؟ والدائرة تتسع لتشمل كل من وقع ميثاقاً سياسياً مع التمرد لشرعنته ومسح خطيئته، أو وفر له المظلات السياسية والأخلاقية، في وقت كانت دماء السودانيين لا تزال تنزف على الأرض. فهؤلاء هم الشركاء الأصليون في تلطيخ الأيادي بالدماء.

وهنا نصل إلى الحقيقة العارية؛ أليست هي تلك الأيدي الخبيثة التي تلطخت بدماء الوطن وأبنائه؟ تلك الأيدي التي تكاد جراح السودانيين وعذاباتهم تنطق بأسماء أصحابها، والتي أكاد أجزم أن البرهان لم يكن يقصد سواها في خطابه، ليغلق الباب أمام كل من ظن أن دماء شهدائنا يمكن أن تكون حبراً لتسويات سياسية مشبوهة أو بنداً قابلاً للمساومة في سوق الصفقات والتسويات.

أليست هي ذات الأيدي الخبيثة التي يحاول البعض اليوم غسلها بمساحيق السياسة، وإعادة تقديمها وتسويقها للسودانيين تحت لافتات براقة كالحوار، والسلام، والتسوية، والتوافق الوطني، وكأن الخراب الذي حل بالبلاد كان مجرد سوء تفاهم لا جريمة مكتملة الأركان؟

حين يتحدث البرهان عن “الدماء” التي تمنع أصحابها من الجلوس في قاعة الحوار، فإن المقصود في نظر السودانيين واضح لا يحتاج إلى كثير تفسير. فالحوار الذي يُراد له أن يؤسس لمستقبل البلاد لا يمكن أن يقوم على تجاهل حقوق الضحايا، ولا على مساواة القاتل بالقتيل، ولا على منح صكوك البراءة لمن ما تزال آثار أفعالهم ماثلة في كل مدينة وقرية وبيت سوداني.

إن دعوة البرهان الأخيرة وضعت القوى السياسية والإقليمية أمام مرآة الحقيقة؛ فالسودان — قطعاً وبلا شك — يتسع للجميع، ويتسع لكل رأي وفكر سياسي يبحث عن استقرار البلاد ورفعتها ووحدتها وكرامة شعبها، لكنه يضيق تماماً، وبشكل قاطع، عن الاستماع لمن استرخص دماء شعبه أو سعى إلى تبرير إراقتها أو تدمير مقدراته الوطنية.

ومن العجب العجاب في مشهدنا السياسي الراهن أن نرى البعض يتباكون على السلام في المحافل صباح مساء، ثم لا يجدون حرجاً في السعي لغسل جرائم المليشيا أو المساواة بين الضحية والجلاد، وكأن الحقيقة يمكن أن تُمحى بمجرد تكرار الأكاذيب.

هؤلاء السماسرة وأبواق العار الذين يقتاتون على مأساة الشعب السوداني يرتكبون جريمة لا تقل بشاعة عن جريمة القاتل الحامل للسلاح؛ فالذي يبرر القتل ويسعى لتبرئة المجرم هو شريك أصيل في الجرم، واليد التي تمسك بـ”ممحاة” لتنظيف دماء الشهداء من الذاكرة الوطنية قبل أن تجف في أيدي القتلة، هي يد متسخة بالخيانة والعمالة، وفقدت الحق في الادعاء بأنها تقف إلى جانب السلام.

كما أن من أهم ما حمله خطاب البرهان تأكيده أن الحوار سيكون داخل السودان، وبمشاركة أصحاب الوجعة الحقيقيين، لا أصحاب الفنادق في عواصم التآمر.

فالشعب السوداني، الذي دفع أثمان الحرب من أمنه واستقراره وأرواح أبنائه، لن يقبل بسهولة أن تُفرض عليه حلول أو إملاءات أو أجندات مرتهنة لرغبات قوى خارجية تسعى إلى تشكيل مستقبل السودان وفق مصالحها الخاصة.

المرحلة المقبلة لا تحتمل رمادية المواقف أو اللعب على الحبال؛ فإما انحياز كامل ومطلق لدماء الشهداء وأسرهم الصابرة، وإما السقوط المدوّي في مزبلة التاريخ مع القتلة وأبواقهم ومبرري أفعالهم. فدماء شهدائنا لن تكون يوماً ورقة للمساومة في سوق التسويات السياسية الرخيصة، ولا جسراً تعبر عليه النخب الفاسدة إلى السلطة.

ومخطئ من يظن أن صكوك الغفران يمكن أن تُمنح من وراء ظهر الشعب السوداني، أو أن دماء الشهداء يمكن أن تُمحى بتوقيع صفقة سياسية.

ورحم الله شاعرنا الفيتوري حين قال مخترقاً حجب الزمن:

دنيا لا يملكها من يملكها

أغنى أهليها سادتها الفقراء

والخاسر من لم يأخذ منها

ما تعطيه على استحياء

والغافل من ظن الأشياء

هي الأشياء!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى