مقالات

تفنيد للتقارير المنحازة وكشف التواطؤ الدولي

 د. عبدالعزيز الزبير باشا

تفنيد للتقارير المنحازة وكشف التواطؤ الدولي

بيان تحليلي – تفنيد للتقارير المنحازة وكشف التواطؤ الدولي

د. عبد العزيز الزبير باشا

م يخف على أي عينٍ بصيرة أنّ التقارير الصادرة عن ما يُسمّى “ *بعثة تقصّي الحقائق* ” التابعة لمجلس حقوق الإنسان قد انحدرت إلى منحدرٍ خطير من الانتقائية والتحيز. إذ سارت على نهجٍ يُشيطن القوات المسلحة السودانية،

في الوقت الذي تُغضّ فيه الطرف عن المقاطع المصوّرة التي بثّتها الميليشيا المتمرّدة بأيديها، والتي تُوثّق الجرائم البشعة ضد المدنيين: قتل جماعي، اغتصاب، حرق للقرى، ونهب ممتلكات الأبرياء. وما يزيد فداحةً الأمر أن هذه الجرائم لم تُوثّق من خصومهم، بل بثّها الجناة على الملأ، دون وجلٍ أو خوف، وكأنّهم يراهنون على تغاضٍ متعمّد من المجتمع الدولي..

تفنيد للتقارير المنحازة وكشف التواطؤ الدولي

 

كيف يُعقل أن تُدان القوات المسلحة السودانية، وهي الجهة الشرعية التي التفت حولها جموع الشعب منذ أن تمدّد العدوان الميليشياوي خارج العاصمة، بينما تتقاطر القوافل البشرية بالآلاف من مناطق انتشار المتمرّدين إلى حيث ملاذ الجيش الوطني؟ أليس هذا أكبر استفتاء شعبي على من يحمي ومن يفتك؟.

إن حركة النزوح الثابتة من مناطق انتشار التمرّد إلى مناطق الجيش الوطني ليست ظاهرة عرضية، بل شهادة حية على أنّ الشعب السوداني، بمختلف مكوناته القبلية والثقافية، يلتف حول جيشه حين تُترك له فرصة العيش في أمان وسلام..

وإذا كان هذا التعمية الإعلامية مقصودة، فإنّ تجاهل التقرير لشكوى السودان الرسمية إلى مجلس الأمن الدولي في الخامس من سبتمبر *2025* يرقى إلى مرتبة التواطؤ الصريح. فقد قدّم المندوب الدائم للسودان، *الحارث إدريس الحارث* ، أدلة دامغة وموثقة بالأسماء والأرقام على تورط دولة الإمارات في تجنيد ما بين 350 و380 مرتزقاً كولومبياً، جُلّهم عسكريون متقاعدون، عبر شركات أمنية خاصة مقرّها الإمارات.

هؤلاء نُقلوا عبر شبكة لوجستية معقّدة مرّت بالصومال وليبيا وتشاد وصولاً إلى دارفور، ليجدوا أنفسهم في قلب آلة الحرب الميليشياوية. بل إن بعضهم ظهر وهو يُدرّب أطفالاً تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثانية عشرة على حمل السلاح، وصدرت لهم أوامر مكتوبة بالإسبانية باستخدام ذخائر الفسفور الأبيض في مناطق مأهولة بالسكان، في خرقٍ صارخٍ للقانون الإنساني الدولي وأبسط قواعد العدالة..

إن الوثائق التي رفعها السودان لمجلس الأمن لم تكن اتهامات عائمة، بل شملت صوراً فوتوغرافية، وأوامر عمليات مؤرخة، وتوثيقاً لمقتل عشرات المرتزقة، بل وتسجيل إقرار علني من الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو نفسه بمقتل نحو أربعين من مواطنيه على الأراضي السودانية، وإدانة رسمية لتورّط شركات إماراتية في هذه الجرائم.

ومع ذلك، لم يجد هذا الملف الخطير مكاناً في تقارير “ *تقصّي الحقائق* ”، وكأنّ دماء السودانيين التي أُريقت على أيدي المرتزقة الأجانب أقل قيمة من رواية مفبركة تُلصق التُّهم بالجيش الوطني…

إن هذا التجاهل الفاضح يكشف أنّ الغاية من هذه الحملات ليست حماية حقوق الإنسان، كما يُزعم، بل إضعاف الجيش الوطني، العقبة الأخيرة أمام فرض وصاية دولية تفتح الأبواب مشرعة أمام الشركات العابرة للقارات لنهب ثروات السودان الطبيعية: الذهب، الصمغ العربي، البترول، والأراضي الزراعية الخصبة، وهي موارد ما تزال عصية على الاستغلال المباشر الغربي.

إن تصوير الجيش الوطني وكأنه جلّاد، بينما يُترك المرتزقة والميليشيا يمرحون في دماء الأبرياء، ليس سوى مسرحية خبيثة تهدف إلى تمهيد الطريق للتدخل الخارجي، واقتلاع ما تبقى من سيادة السودان…

إن الشعب السوداني، في وحدته العفوية حين يُترك لشأنه بعيداً عن التدخلات، يُثبت أنّه يتجاوز الانقسامات القبلية، وأنّ ما يجمعه أعظم مما يفرّقه. لكن هذه الحقيقة لا تلائم سرديات القوى الكبرى، التي لا ترى في السودان إلا قطعة أرض غنية بالموارد لم تُستنزف بعد، ووسيلةً لتوسيع نفوذها على حساب السيادة الوطنية…

من هنا، فإن أي تقرير يتجاهل هذه الحقائق الدامغة، ويُصرّ على ترديد الاتهامات الجوفاء ضد الجيش الوطني، لا يعدو أن يكون ورقة سياسية مُسيّسة، كتبتها أقلامٌ لا ترى السودان إلا من منظور استعلائي يختزل تنوعه وغناه في صور نمطية سطحية. إنّها ليست تقارير حقوقية بقدر ما هي أدوات اختراق ناعمة، تهدف لفتح بوابة التدخل والسيطرة تحت لافتة القانون الدولي، لصالح مصالح خارجية بعيدة عن العدالة والحق…

د. عبدالعزيز الزبير باشا

*6/9/2025*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى