ثقافية

رواية دومة ود حامد.. الأديب السوداني الطيب صالح

رواية دومة ود حامد.. الأديب السوداني الطيب صالح

يقول الاديب السوداني الطيب صالح في روايته دومة ود حامد ، لو جئت بلدنا سائحا فأغلب الظن يا بني أنك لن تمكث فيها طويلا. تجيئنا شتاء، وقت لقاح النخيل، فترى سحابة داكنة ربضت على البلدة، ليس هذا يا بني غبارا، ولا هو بالضباب الذي يثور بعد وقوع المطر، هذا سرب واحد من أسراب “النمتة” التي تربط على الداخلين إلينا أفواه الطرق. لعلك رأيت هذه الآفة من قبل، لكن هذا النوع منها أحلف أنك ما رأيته قط.

هاك يا بني هذه الشبكة من التل فضعها على رأسك، وإنها لن تقيك هذه الشياطين، ولكنها تقويك على احتمالهم. أذكر صاحبا لابني يزامله في المدرسة، استضافه عندنا قبل عام، في مثل هذا الوقت، أهله من البندر. بات عندنا ليلة وأصبح متورم الوجه محموما مزكوما، وحلف لا يبيت ليلة أخرى عندنا. وتجيئنا صيفا فتجد عندنا ذباب البقر، ذباب كحملان الخريف، كما نقول بلهجتنا.

رواية دومة ود حامد.. الأديب السوداني الطيب صالح

وهذا البلاء أهون عليك “النمتة” ألف مرة. إنه يا بني ذباب متمرس يعض ويلسع ويطن ويزن، وعنده حب عظيم لبني آدم، إذا شم رائحتهم لازمهم ملازمة. هش عنك يابني – قاتل الله “النمتة”. وتجيئنا في وقت ليس صيفا ولا شتاء فلا تجد شيئا. أنت ولا شك يا بني تقرأ الجرائد كل يوم، وتسمع الإذاعات وتزور السينما مرة أو مرتين في الأسبوع، وإذا مرضت فمن حقك أن تعالج في المستشفى، .

وإذا كان لك ابن فمن حقه أن يتعلم في المدرسة. أنا أعرف يا بني أنك تكره الطرقات المظلمة وتحب أن ترى ضوء الكهرباء يتوهج ليلا. وأنت لست شغوفا بالمشي، وركوب الحمير يحدث ندوبا في مقعدك. يا ليت يا بني يا ليت.. الطرقات المرصوفة في المدن، المواصلات الحديثة، العربات الجميلة المريحة.. ليس عندنا من كل هذا شيء.. نحن قوم نعيش على الستر. سترحل عن بلدنا غدا، وأنا واثق من ذلك، وحسنا تفعل، مالك ولهذا العناء..

نحن قوم جلودنا ثخينة، ليست كجلود الناس. لقد اعتدنا هذه الحياة الخشنة، بل نحن في الواقع نحبها، لكننا لا نطلب من أحد أن يجشم نفسه مشقة الحياة عندنا.. سترحل في غد يا بني.. إنني أعلم ذلك. ولكن قبل أن ترحل دعني أريك شيئا واحدا.. قل إننا نعتز به.. عندكم في المدن المتاحف..

أماكن تحفظ تاريخ القطر والأجيال السالفة. هذا الذي أحب أن أريكه.. قل إنه متحف نصر أن يراه زوارنا. مرة جاءنا واعظ أرسلته إلينا الحكومة ليقيم عندنا شهرا. وحل علينا في موسم لم ير ذباب البقر اسمن منه في ذلك الموسم. تورم وجه الرجل في اليوم الأول، وتصبر وصلى بنا صلاة العشاء في الليلة الثانية، وحدثنا بعد الصلاة عن مباهج الحياة في الفطرة. وفي اليوم الثالث أصابته حمى الملاريا، وأصابته الدسنتاريا وانسدت عيناه تماما.

زرته في عصر ذلك اليوم فوجدته طريح الفراش. يقف على رأسه غلام يهش الذباب، قلت له ((يا شيخ، ليس في بلدنا شيء نريكه، ولكنني أحب أن ترى دومة ود حامد)). لم يسألني ما دومة ود حامد، وإن كنت أرجح أنه سمع بأمرها. فمن ذا الذي لم يسمع بها؟ ولكنه رفع إلي وجهه كأنه رئة بقرة ذبيح، وكانت عيناه كما قلت لك مغلقتين، ولكنني كنت أعلم أن وراء أهدابهما مرارة، وقال لي: ((والله لو كانت دومتكم هذه دومة الجندل، وكنتم المسلمين تقاتلون مع علي ومعاوية، وكنت أنا حكما بينكم في يدي هاتين مصائركم ما تحركت من مكاني هذا شبر)).

وبصق على الأرض كأنه يشتمني وأشاح عني بوجهه. وسمعنا بعدها أن الشيخ أرسل برقية إلى مرسليه يقول لهم فيها: ((ذباب البقر أكل رقبتي، والملاريا خرقت جلدي، والدسنتاريا غرست أسنانها في أحشائي. أقيلوا عثرتي يرحمكم الله.. هؤلاء قوم لا حاجة لهم بي ولا بوعظ غيري)). ورحل الرجل ولم ترسل لنا الحكومة واعظا بعده. لكن قريتنا يا بني شهدت والله رجالا كبارا ذوي حول وطول وأسماء في البلد مثل الطبول،.

وما ظننا يوما مجرد ظن أنهم سيأتون إلى هنا – جاءوا والله أفواجا أفواجا. ها قد وصلنا.. تصبر يا بني – ما هي إلا ساعة وتهب نسمة العصر فتخفف من تكالب هذه الآفة على وجهك. ها هي ذي دومة ود حامد.. أنظر إليها شامخة برأسها إلى السماء.. أنظر إليها ضاربة بعروقها في الأرض.. أنظر إلى جذعها المكتنز الممتلئ كقامة المرأة البدينة، وإلى الجريد في أعلاها كأنه عرف المهرة الجامحة. حين تميل الشمس وقت العصر، ترسل الدومة ظلها في هذه الربوة العالية عبر النهر، ويستظل به الجالس على الضفة الأخرى.

وحين تصعد الشمس وقت الضحى، يمتد ظل الدومة فوق الأرض المزروعة والبيوت حتى يصل إلى المقبرة. أتراها عقابا خرافيا باسطا على البلد بكل ما فيها؟ قررت الحكومة مرة قطعها عندما أرادوا أن ينظموا مشروعا زراعيا، وقالوا إن موضع الدومة هذا هو خير موضع لإقامة مكنة الماء.

أهل بلدنا كم تراعم منصرفون كل إلى هم يومه، ولا أذكر أنهم ثاروا على شيء قط، ولكنهم لما سمعوا بأمر قطع الدومة، هبوا على آخرهم هبة رجل، وسدوا على مفتش المركز السبل. كان ذلك في عهد الحكم الأجنبي. أعانهم الذباب أيضا ذباب البقر. وعلا اللغط من حول الرجل يقولون له إذا قطعتم الدومة فإننا سنحارب الحكومة حتى نموت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى