
قصة تدمي القلب .. تفاصيل مؤلمة!!
يقول أحد الصالحين :
في مساءٍ بارد من ليالي الشتاء، قررت أن أزور أخي سامي في بيته الجديد، الذي انتقل إليه مؤخرًا في حيٍّ هادئ من ضواحي المدينة. كنت مشغولًا طوال الفترة الماضية، وقد شعرت أن تأخري عن تهنئته أمر لا يليق، خاصةً وأن سامي من أولئك الناس الذين لا يبخلون بالمحبة.
طرقت الباب، ففتحه وهو يقول ضاحكًا:
ـ “أخيرًا تذكّرت أن لك أخًا في هذه الدنيا!”
ضحكت وأنا أُعانقه:
ـ “جئت أعوّضك عن كل الأيام دفعة واحدة.”
دخلت، وإذا برائحة القهوة تعبق في المكان، والدفء ينبعث من الموقد الصغير في زاوية المجلس. تبادلنا الحديث حول الأهل والعمل والبيت الجديد، ثم خطر لي أن أنظر إلى ساعتي، فرأيت أن أذان العشاء سيحين بعد نصف ساعة تقريبًا.
قلت له بهدوء:
ـ “سأذهب إلى المسجد.”
فقال مستغربًا:
ـ “ما زال الوقت مبكرًا… لم يؤذن بعد!”
قلت:
ـ “أعرف، لكني أُحب أن أقرأ شيئًا من القرآن قبل الصلاة، والخلاء في المسجد فرصة ثمينة.”
هزّ رأسه مبتسمًا:
ـ “كما تشاء، طريق المسجد من هنا، على اليسار.”
خرجتُ من البيت، وكان الليل قد بدأ يُسدل ستاره بهدوء، والسماء ملبدةٌ بغيومٍ رمادية تبشر بالمطر. حين وصلت إلى المسجد، كان خاليًا، هادئًا بشكلٍ غريب، وكأن الهواء ذاته يهمس بالسكينة.
دخلت وصليت ركعتين، ثم جلستُ أُقلّب صفحات المصحف. ما أجمل القرآن حين يُقرأ في صمتٍ تام، لا يُقطعه إلا صوت قلبك وهو يلين آيةً بعد آية.
بعد دقائق، سُمِع صوت خفيف عند باب المسجد. التفتُّ، فرأيت طفلًا صغيرًا، لا يبدو أن عمره يتجاوز العاشرة. دخل بخطى مترددة، نظر ناحيتي، ثم ألقى السلام بصوتٍ خفيض. رددت عليه السلام بلطف، فاقترب إلى الصف الأول، وصلّى ركعتين. ثم عاد فصلى ركعتين أُخريين، وركع وسجد.

لكن ما شدّ انتباهي هو طول سجوده.
مرّت دقيقة… دقيقتان… ثلاث… والطفل ما زال ساجدًا.
لم يكن يلهو، ولا يلعب، بل كان جسده ساكنًا، كأنما يسكن في عالمٍ آخر.
اقتربتُ بهدوء. لم يكن بيني وبينه سوى مترين، وبدأت أسمع صوت بكائه الخافت، وكلماته التي خرجت متقطعة من قلبٍ منكسر:
ـ “يا رب… أوصاني أبي أن أأتي إليك كلّما احتجنا شيئًا. قال لي إنك لا تردّ أحدًا. وأنا الآن بين يديك… محتاج… ذليل… ضعيف… جائع…”
انقبض قلبي، وذُهلت، وأكمل الصغير وهو لا يزال ساجدًا:
ـ “لم نأكل منذ البارحة، وأنت أعلم بذلك يا الله. إخوتي الصغار لا يتحملون الجوع، وأنا وأمي نستطيع… لكن حين رأيتهم يبكون، لم أتحمل. قلت لهم: سأذهب إلى المسجد، وأطلب من الله أن يُطعمنا… كما علّمني أبي. أرجوك يا الله، لا تخيّبني… لا تكسفني أمامهم. أنت العزيز، وأنت الغني، وأنت الرحمن الرحيم. بيدك الخير، وأنت على كل شيء قدير…”
هنا… لم أستطع السيطرة على نفسي. نزلت دمعتي رغماً عني، بل بكيت بحرقة. كنت كمن تلقى صفعةً من السماء على قلبه، تُوقظه من غفلته.
بقيتُ أراقب يوسف بصمتٍ حتى أقيمت الصلاة، فصلى معنا بخشوع، ثم جلس على أحد أطراف الصف. نظرت يمينًا، فرأيت أخي سامي. اقتربتُ منه، وهمست:
ـ “هل تعرف هذا الصبي؟”
نظر نحوه وقال:
ـ “نعم، إنه يوسف… ابن الإمام عبد الرحمن، رحمه الله.”
صُعقت!
ـ “الإمام عبد الرحمن… تُوفي؟!”
ـ “نعم، منذ عام، في حادث سيارة. ترك خمسة أطفال، وزوجة مريضة.”
ارتجف قلبي. قلت بسرعة:
ـ “أين يسكن؟”
قال متفاجئًا:ـ “في البيت المجاور للمسجد مباشرة، لماذا؟”
ـ “لاحقًا أخبرك… الآن أرشدني فقط.”
ذهبت مسرعًا و توجهت إلى السوق بعد ما عرفت البيت، واشتريت ما استطعت من المواد الغذائية: رز، عدس، خبز، لبن، زيت، فواكه، حليب للأطفال. ثم وضعت مبلغًا كبيرًا من المال في ظرفٍ مغلق، ودفنته وسط أحد الأكياس.
عدتُ بهدوء، ووضعت الأكياس أمام الباب، طرقت برفق، ثم تسللت إلى الظل أُراقب من بعيد.
بعد لحظات، فُتح الباب ، وإذا بيوسف يخرج، يلتفت يمينًا ويسارًا، ثم يطأطئ رأسه ليرى الأكياس.
وقف مذهولًا، ثم انحنى وبدأ يقلب ما فيها، ثم صرخ بفرحٍ لا يُوصف:
ـ “أمي! أمي! انظري! لقد وجدت طعامًا كثيرًا! إنه من الله! قال أبي إن الله لا ينسى أحدًا!”
ركض يوسف نحو الباب، وضع يده على الأرض، وخرّ ساجدًا لله. سجد كما لم أرَ أحدًا يسجد من قبل.
بكى، وأنا بكيت معه من بعيد، وقلت في نفسي: “اللهم ارزقنا قلبًا كقلب هذا الصبي، وعملاً يُرضيك يا كريم.”
الخلاصة
الخير لا يُقاس بكميته، بل بنيّتك فيه.
وأن طفلًا يتيمًا، سجد لله من قلبٍ جائع، قد يكون أقرب إلى الجنة منك ومني، لأنه طرق باب السماء وهو متيقّن أن الله سيُجيب.
إن استطعت أن تُعين، فلا تتردد.
إن استطعت أن تمسح دمعة، فافعل.
وإن لم يكن بيدك شيء، فادعُ الله من قلبٍ صادق أن يجعل لك أثرًا في قلوب المحتاجين.
واعلم… أن من جبر خواطر الناس، جبر الله خاطره.
وأنك لا تدري أيّ حسنةٍ تُدخلك الجنة، فافعل الخير أينما كان.







