مقالات

محمد حامد جمعة نوار : عارفني منك!!

محمد حامد جمعة نوار : عارفني منك!!

محمد حامد جمعة 

ربما اشارككم الإحساس وانا اكتب باخر ضوء . وان تناثرت اضواء الكهارب بالجوار ولو بقدر . احساس الكتابة اليوم يختلف عندي . شعور بالارتياح والحي العتيق يستعيد تقريبا كثيرا من ضجيجه . عادت الطرقات للإمتلاء . ضجيج الصبية والصغار . صبايا يخرجن لبعض الاغراض عليهن كثير حشمة وكثير حذر .

المتاجر تنشط والبقالات . المطاعم . تجمعات الشباب التي لاحظت فيها كثرة الاحتفاء كل دقيقة بقادم غائب . شخصيا أمس واليوم التقيت (عزيز ) وجارنا (عمار) .ولاحظت انهما رغم صغرهما عني بما لا يقل عن عشرة سنوات . لاحظت انهما اسنا ! خالط شيب مكثف شعرهما .

طالت منهما اللحى . بشكل ما شعرت بهما مرهقين ! وقف امامي (عمار) بسمرته الكثيفة وعينه الحادة وحاجبه الذي مثل قوس تل عند شاطئ . ابتسم وهو يمد يديه يشدني الى حضنه يقيمني من مجلسي . لم اعرفه لاول وهلة حتى تراجعت بعد الضمة الاولى اتفحصه عرفته من محيا إبتسامته . فصحت يا عمار . لا حول الله ! يا زول وعدنا للسلام .

محمد حامد جمعة نوار : عارفني منك!!

كلانا يجزل (التحمدل) وسارت اشرعة السؤال عن امه وامي وناس البيت . ثم جلس . لاحظت انه يطيل الصمت . يتفرس جدران المنازل من تلقاء مقامنا . يدقق النظر في جهنمية تحولت الى دغل كثيف فوق منزل عمنا (عبد القيوم) .

ثم يمد بصره الى اول الطريق . لم يتحدث . يكتفي كل مرة بتحسين مساقط جلبابه . يبتسم ابتسامته المعتادة تلك . احيانا يجعلها إجابة على سؤال فلا اعرف هل اضع خلفها تعجب ام استفهام ام نقطة لاخر السطر.

2

عزيز كان كذلك . غير انه ضحاك . ومع ذقن اطول . ربما غاب في معاناة حولت لونه الخلاسي الى سواد خفيف . هزل بشكل لافت لكنه كان اكثر حميمية مع المكان . يمازح هنا ثم يهدأ . ويستفسر هناك ثم يهدأ . وان كان خلافا لصديقنا الاخر .اكثر سخاء في الحديث معي وان لم يفسر لي سر اصراره على اني ,ـ نوارـ عدت من الموت ! كان يكرر لي تصدق انت بالذات ما قايلك بتمرق منها ! حرت ما ارد به ثم رفع الالحاح عندي ظهور (عبد الله) الذي كان اصغرنا كلنا .

لكن سني الحرب زادته قصرا وقلة جرم . ووضعت على ملامحه وجه سبعيني . مع قلق دائم وهرش مستمر لرقيته وجانب كتفه وهو ما فسره لي البعض بكونه اختطف من منزله وتعرض لتجربة اسر قاسية تضمنت بالضرورة تعذيب طويل وضرب قاس . استمعت لتضجرات من بعض الخدمات .

شكوى (حسن) الموظف الذي اضطره توقف المرتب قبل ثلاثة اعوام للاعمال الحرة وبيع البسكويت والطعمية . واحسست بوجعهم ووجعي .غير ان الحمد كان يجري على الالسن فتنقل الشكوى الى مقام الرجاء

3

كان مجلسنا في كل ساعة يتوسع . وشيئا قليلا صرنا مثل ديوان في صباح عيد . تطايرت الكلمات والضحكات . اتانا في مجلسنا ذاك النفث الساخن لليالي الصيف حين تهزم النهارات . ثم طاف بنا ذاك النسيم العابر فوقنا من الازقة اخلاط طين وبعض ماء وقليل بخور . وكثيف طنين باعوض .

وحينما حلت الظلمة اختبرنا صوت عم عباس الاجش . سالمو عليكم . التي صارت عندنا مثل العلامة والبصمة التي تدل على صاحب بطاقة . الرجل نفسه بذات المشية منذ ان عرفته قبل سنوات . يسير على تلك العصاة . التي كدليل ملاح عنده . فلا يطأ معها بللا او يتعسر في حفرة . اكرمنا اول المساء بنسيم بارد نسبيا . كانه نفحة من بقية جيوب الشتاء في صميم جدار قريب . فشممنا جميعا حالة عافية .

4

عندما نهضت لاذهب . عبرت في مكان اخر ضجيج اوضح . الحي العتيق يستعيد بشكل لافت رروحه ونبضه . كما استعيد انا رغم العسر . متعة الايام وكأني اكمل في غير ما قصد مقالة احمد محمد صالح عن (فينوس) فقلت لنفسي حجبوا سناك و ما دروا أن الكواكب ذات وقد .. وحينا يتقد بالناس والارواح التي ان غابت فهي حاضرة وان حضرت فهي في الحكايات تبقى.

المقطع الموسيقى للمبدع مكي الوالي الذي لرجو ان يمنحنا الاذن ..لنغترف من فنه ..او ليعذرنا على التطفل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى