مقالات

على عسكوري: أوروبا وأمريكا..هل حان الفراق!

الخرطوم _ زحل نيوز

على عسكوري: أوروبا وأمريكا..هل حان الفراق!

في العام ٢٠٠١ وصف وزير الدفاع الامريكى في ادارة الرئيس جورج بوش الابن دونالد رامسفيلد اوروبا بي (القارة العجوز)! وهو تعبير – رغم صحته- تسبب في رعشة قوية في الجهاز العصبي للقادة الاوروبيين واعتبره بعضهم اساءة بالغة للقارة.

فرغم التحالف الامنى والعسكرى القوى القائم بين أمريكا وأوروبا، ازدادت مخاوف وشكوك الاوروبيين القديمة حول مواقف امريكا واستمرارها في حماية القارة خاصة بعد انتفاء الخطر الشيوعي الروسي مطلع عقد تسعينات القرن الماضي بعد انهيار المعسكر الاشتراكى او ما عرف تاريخيا بي (حلف وارسو).

تاريخيا، لا يزال الاوروبيون يذكرون تأخر او قل تقاعس امريكا عن نجدتهم في الحربين العالمتين وهو امر تسبب في خسارتهم لمعارك عديدة وهلاك مئات الالاف من البشر.

ففي الحرب العالمية الاولى (كما يسمونها)دخلت امريكا الحرب بعد اكثر من عامين ونصف، اما في الحرب العالمية الثانية فدخلت بعد اكثر من عامين، ولا يزال بعض المؤرخين الاوروبيين يتسآءلون: هل كانت امريكا ستدخل الحرب العالمية الثانية لو لم تهاجم اليابان ميناء (بيرل هاربر) في الواقعة الشهيرة وتدمر الطائرات والاسطول الامريكي هناك؟

علينا ان نتذكر ايضا ان امريكا بعد الحرب العالمية الاولى اختارت ما عرف بسياسة الانعزال (isolationism) والابتعاد عن الحروب الاوروبية ومشاكل العالم الاخري بعد ان اتضح ان خسائرها البشرية في الجنود (قتلى ومصابين) التى قاربت ربع المليون كانت عالية جدا بحساباتهم،

وبناء على ذلك رفضت الانضمام الى ما عرف بي (عصبة الامم) التى تكوينها آنئذ (١٩٢٠) رغم مشاركة الرئيس الامريكي (وودرو ويلسون) في الاجتماعات التى افضت لتأسيس العصبة.

بناء على تلك السياسة تبنت امريكا الانعزال عن العالم وركزت على قضاياها الداخلية وضربت صفحا عن العالم وحروبه, حتى هجوم البحرية اليابانية على (بيرل هاربر) في ٧ سبتمبر ١٩٤١، فاعلنت امريكا دخول الحرب في جانب الحلفاء صبيحة اليوم التالي.

لكل ذلك ظلت شكوك الاوروبيون حول حقيقة التزام امريكا بالدفاع عن قارتهم قائمة تحت السطح ولم تمت، وجاء تصريح رامسفيلد الاذدراري ليعيد بعث تلك الشكوك القديمة من جديد عندما نعت قارتهم (بالعجوز)!

يعلم الاوروبيون انه ليس بوسعهم لوحدهم الدفاع عن بلدانهم في وجه الجيش الاحمر الروسي وترسانتة النووية وطائراته وصواريخه متعددة المدى والاستخدامات، رغم ان اغلب حروب روسيا تاريخيا انحصر في مناطق البلقان واسيا الوسطى، رغم ذلك تظل مخاوف الاوروبيين قائمة بالنظر للتفوق العسكرى الكبير لروسيا عليهم.

في العقد الثانى من الألفية جاء تطوران مهمان زادا من شكوك الاوروبيين وغوراها.

اولهما، خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي في العام ٢٠١٦، وثانيهما انتخاب الرئيس دونالد ترمب في العام ٢٠١٧، وتصريحاته القوية التى دعت الدول الاوروبية علنا لتتحمل نفقات الدفاع عن قارتها وذلك بدفع مساهماتها المالية المستحقة في تكاليف(حلف الناتو) –

وهو الحلف الذى انشىء بعد الحرب العالمية الثانية للدفاع عن اوروبا في مواجهة الخطر الشيوعي الروسي وامريكا عضو فيه – وان امريكا ليس بوسعها تحمل القسط الاكبر من النفقات، وان لم يدفع الاوروبيون مساهماتهم المستحقة ستفكر امريكا في الانسحاب من الحلف (او كما قال)!

اثارت تلك التصريحات ردود فعل واسعة داخل اوروبا ولا تزال واحيت المخاوف القديمة الامر الذى دعا الرئيس ماكرون في مقابلة اذاعية العام ٢٠١٨ لطرح مقترحا لتشكيل قوة اوروبية بمعزل عن الناتو للدفاع عن القارة قائلا: ” ان اوروبا يجب ان تكون قادرة على الدفاع عن نفسها، ولا يمكنها الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها.”

لاشك ان خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي اثار شكوكا ومخاوف اضافية عند الاوروبيين كما انه شكك في مشروع الاوروبيين الاكبر (الوحدة الاوروبية)، ورغم ان المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد ابقت عضويتها في كل المؤسسات الامنية الاوروبية بما فيها حلف الناتو،،

الا ان للاوروبين ايضا شكوك حول موقفها بالنظر لتاريخ علاقتها المتذبذب مع دول القارة منذ عهود الاقطاع وحروب الممالك والاسر الحاكمة المختلفة .

يتسآءل بعض المفكرين الاوروبيين ان كان لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد (اسباب اخري) لم تفصح عنها غير ما ذكرته من اسباب كالهجرة والسيادة والقضاء الخ… وتزاد شكوك الاوروبيين عندما يتابعوا العلاقة الامنية والاقتصادية القوية بين بين المملكة المتحدة وامريكا!

وعلى كل، وفي ظل تطورات السياسة الدولية وتقلباتها مع بروز الصين وصعود الهند وعدد من الدول في جنوب شرق اسيا بدت اوروبا غير واثقة من مستقبلها لا امنيا ولا اقتصاديا.

فمثلا في التجارة العالمية ظل نصيب الاتحاد الاوروبي في تراجع مضطرد في العقديين الماضيين من ١٩% الى حوالى ١٤%، وليس هنالك بارقة بوقف هذا التراجع بالنظر لصعود الصين والهند والبرازيل وتوفيرهم منتجات كانت تنفرد بها اوروبا باسعار اقل! هذا التراجع ينعكس مباشرة على مستوى الحياة العامة بجانب انه يضعف من قوة الاتحاد على الصرف على الدفاع.

حملت تقلبات السياسية الدولية امريكا على تغيير استراتيجيتها من التركيز على اوروبا الى الاهتمام بالصين والهند كمنافس اقتصادى وعسكري جديد، وهذا يعنى تراجع اهتمام امريكا بأوروبا.

وكأن كل ماذكرنا من مخاوف وتحديات لم يكن كافيا لتأزيم احوال اوروبا.. فأضاف الشعب الامريكي ملحا على جراحها نهاية العام الماضي واعاد انتخاب دونالد ترمب ليعود للبيت الابيض بشعاره المعروف:(امريكا اولا) وهو شعار يعمق من مخاوف وشكوك الاوروبيين الطارفة والتليدة.

ختاما، ما يمكن تأكيده وقبل تنصيب ترامب، ان اوروبا تنظر الي عودته بفتور شديد وبوجه مكفهر! ما يقلق اوروبا ان ترامب شخص يصعب التنبؤ بتوجهاته وان كانوا متاكدين انه لا يأبه بمخاوفهم، و ان اى خطوات سيتخذها لن تكون في صالحهم، وان مطالبته لهم بدفع مساهماتهم في تكاليف حفظ امن القارة (الناتو) سيضطرهم لفرض ضرائب جديدة على مواطنيهم .

وهو امر يعلمون ان المواطنين لن يقبلوه بالنظر لتراجع مستوى الحياة العام في القارة، وربما يقود لاهتزازات او اضطرابات سياسية تقوى من عودة اليمين الشعوبي المتطرف في اغلبية دول الاتحاد، واليمين كما نعلم يرفض الوحدة الاوروبية ويدعو لاستعادة الدولة القومية.

نخلص من كل ذلك ان عودة الرئيس ترامب ستضع اوروبا اما خيارات صعبة جدا تتعلق ببقائها موحدة وآمنة. سنعلم في العامين او الثلاثة القادمة في اي اتجاه ستسير (القارة العجوز)!

لكن المؤكد في كل ذلك ان شمس القارة العجوز تغرب… (ويا حليل شمسي الدار تغيب) او كما غنى الراحل عثمان اليمني.

ما يمكن قوله في هذا الامر وبالنسبة لقارتنا، فإن اى تضعضع لاوروبا يصب مباشرة في صالح افريقيا، فقد بنت اوروبا حضارتها وثرائها على استغلال افريقيا بشرا ومواردا طبيعية وبدون موارد افريقيا ستذبل زهرة الجلنار الاوروبية لا محالة.

هذه الارض لنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى