ثقافية

من الخلوة إلى الأزهر.. لماذا لا ننقل التجربة للسودان؟

الشيخ دوليب

من الخلوة إلى الأزهر.. لماذا لا ننقل التجربة للسودان؟

من رحم بيت صوفي متجذر في محبة القرآن، نشأتُ في بيئة يُعد فيها حفظ كتاب الله فريضة قلبية قبل أن يكون مجرد تكليف شرعي. معظم أقاربي يحفظون القرآن، كوالدي محمد بشير الواعظ وعمي الشيخ نورين رحمه الله.

وجدي وابناءه في مسيد أبوعزة وخرسي وغيرها وكنت شاهداً على تجربة “*الخلوة*” عن قرب؛ بمناهجها التقليدية، بطريقتها الصارمة في التحفيظ، وبتلك الروح الروحية التي تسري بين جدرانها الطينية.

من الخلوة إلى الأزهر.. لماذا لا ننقل التجربة للسودان؟

رأيت الطفل يدخل الخلوة صغيرًا، ويخرج بعد أعوام وقد أكمل حفظ القرآن، لكنه في كثير من الأحيان *يخرج دون أفق واضح*، ودون مشروع علمي أو اجتماعي يستند عليه.

فالخلوة في السودان ما زالت ترتكز على مفهوم “*التحفيظ من أجل التحفيظ*”، دون أن تربط هذا الحفظ بمنهج دراسي متكامل، أو بفرص تعليمية ومهنية لاحقة. هذا في العموم إلا خلاوي لا تتعدى اصابع اليد الواحدة .

من الخلوة إلى القاهرة: صدمة الفارق

لظروف االحرب والنزوح سافرت إلى القاهرة، كنت أظن أن كل حافظ لكتاب الله هو نفسه في كل مكان. لكن الحقيقة كانت صادمة.

في الأزهر*، رأيت كيف أن الحفظ ليس نهاية الطريق، *بل بدايته*. الطالب الأزهري لا يكتفي بالحفظ، بل يُدرّب على علوم القرآن، والفقه، واللغة عربية وإنجليزية، والمنطق، والفكر الإسلامي.

من الخلوة إلى الأزهر.. لماذا لا ننقل التجربة للسودان؟

الحافظ هناك *عالم صغير* يتخرج ليمارس دوره كداعية، ومعلم، وقاضٍ، ومفكر.

شعرت حينها أن الفارق بين بعض خريجي خلاوينا وبعض خريجي الأزهر كالفارق بين من *يحفظ كنزًا ولا يعرف قيمته*، ومن يحفظه ويعرف كيف يستثمره.

لماذا لا نستفيد من التجربة الأزهرية؟

السودان بلد *يعشق القرآن بالفطرة*. عدد الحفظة في بلادنا يُعدّ من الأعلى في العالم العربي. لكن التحدي يكمن في أن هذه “النعمة” لم تُوظّف بعد في *مشروع تعليمي ومجتمعي متكامل*.

وهنا أطرح السؤال:

لماذا لا يتم التعاون مع مصر، وفتح فروع للأزهر الشريف في السودان؟ فمصر تمتلك واحدة من أقدم وأعرق التجارب التعليمية الإسلامية. والسودان يمتلك بيئة حافظة ومُحبة للقرآن. والأزهر لديه القدرة على الدمج بين الحفظ والعلم والاحتراف.

التجربة لو أُطلقت، فإنها ستنجح نجاحًا باهرًا، لأن التربة جاهزة والبذرة صالحة.

ما الذي نحتاجه؟

• اتفاقية رسمية بين البلدين لتأسيس فروع للأزهر الشريف في الخرطوم وولايات السودان.

• برنامج يجمع بين الخلوة التقليدية والتعليم الأكاديمي.

• تدريب للمشايخ السودانيين على المناهج الأزهرية.

منح دراسية وتبادل معرفي للطلاب والأساتذة.

نحب القرآن، نعم. نحفظه، نعم. لكننا اليوم بحاجة إلى ما هو أبعد من الحفظ. نحن بحاجة إلى أن نجعل من حافظ القرآن “صانع حضارة” لا مجرد ناقل آيات.

والتجربة الأزهرية نموذج ناضج يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في مسار التعليم الديني في السودان. فقط لو تحرّكنا.

محول إلى وزير الشؤون الدينية والأوقاف في حكومة الامل الانتقالية.

الشيخ دوليب

اول ايام العام الهجري 1447 هجرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى