مجتمع

حكايات من حرب الكرامة-أرض لا تنكسر !!

متابعات\زحل نيوز

حكايات من حرب الكرامة-ارض لا تنكسر

القصة رقم (25) – الشهيد «ممدوح أمين»

محور: قصص الشهداء

العنوان: “موقع لا يُكسر”

النقيب/ محمد عبدالرحمن هاشم القاضي

لم أره قط، ولكن سكنتني هيبته.

صوته وحده كان يكفي لتدرك أنك أمام رجلٍ من طرازٍ نادر.

كنا نلتقي في الأثير، عبر اللاسلكي.

أنا في الموقع 04، وهو في الموقع 07.

كنت في قلب النار، لكنه كان في فوهة الجحيم.

كان يتحدث بلسان عربي مبين، لا يكسر حرفًا ولا تعلو نبرته، حتى حين يتساقط الموت حوله كالمطر.

صوت فيه وقار، كأنك تسمع قائداً من زمن الفتح.

قبل المعركة الكبرى بثلاثة أيام، هُوجم موقعه بشراسة.

استُشهد القائد عمر، وتقدّم ممدوح، دون انتظار أو أوامر.

استلم القيادة تحت النيران، وثبت مع رجاله يومين بلا ماء، بلا نوم، بلا مدد.

قتلوا أكثر من مئتين من العدو، وأبلغونا بذلك بصوت ثابت، لا يشكو، لا يتراجع.

ثم جاء يوم 20 أغسطس، ومعه أعظم ثلاث ليالٍ في مدوّنة الشرف.

قصفٌ من كل صوب:

العشرة، القوز، الرميلة، الكلاكلة، وأم درمان الإسلامية.

أكثر من 400 دانة في يوم واحد.

تاهت الاتجاهات، ولم يعد هناك “أين” و”من أين”… صار كل شيء نار.

بعد القصف، ظن العدو أن الأمر انتهى… فاندفع مشاته، لكنه وجد جيشًا لا يموت.

موقعنا أوقع بـ302 من القتلى، أما موقع ممدوح، فحسب تقدير الشهيد عبدالرحيم من 010، فإن عدد الهالكين أمامه تجاوز الألف.

وحين رأت القيادة ضرورة الانسحاب لتبديل الخطوط، قالها ممدوح في اللاسلكي:

“نحن لا ننسحب… ننتصر أو نموت.”

نفدت ذخيرته.

أُمر بالانسحاب، فأبى.

قال:

“سأبقى لأصحح للطيران والمدفعية.”

وقد فعل، حتى صار اللاسلكي لا ينطق إلا بصوته، في اليوم الثاني والثالث.

كان يصحح المواقع، يصف حركة المشاة، يرصد البوكلن، يقاتل بالكلمة قبل الرصاص.

انهار موقع 02 تحت الضغط، واستشهد عبدالرحيم، وانسحب البقية نحو المعسكر.

لكن ممدوح وأبطال 07 ظلوا في أماكنهم، يحاصرهم الموت من كل الجهات.

خمس عربات دوشكا، ثلاث صواريخ كورنيت، وحتى البوكلن جاؤوا به، يهدم العمارة فوق رؤوسهم.

لم ينهاروا.

لم يصمت اللاسلكي.

ثم جاءت الانتنوف، أسقطت البراميل، فتراجعت عربات العدو.

عندها أمرهم بالانسحاب، وبقي يغطيهم بالقرنوف.

ضحّى بنفسه، فنجا رجاله.

وصلوا إلى معسكر الذخيرة من جهة اللاماب، وهو بقي في الخليج… خليج النيران.

استُشهد ممدوح، لكنه خلد.

لم يكن مجرد قائد موقع، بل كان أحد الذين ثبتت بهم أرض المدرعات.

لم أره، لكني أحببته.

أحببت صوته، مواقفه، صموده.

ورأيت اليوم أبناءه في فيديو مصور…

فتية نبلاء، تشهد وجوههم أن أباهم من معدن غير عادي.

يا رب، بارك في ذريته، كما بارك في جهاده.

واجعل موقع 07 علامة لا تنطفئ في درب المجد.

“مالي أُودِّع كل يوم راحلاً

من يا تُراه غدًا يكون مودِعي؟

في كل يومٍ حاملاً تابوتهم

تلك القبور حملتُها في أضلُعي

مضت الزوارقُ للبعيد ولم تعد

يا ليتني، أو ليتهم كانوا معي.”

حكي الحكاية اويس غانم(شاهد علي الأرض)حكايات من حرب الكرامة-أرض لا تنكسر !!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى