إقتصاد

رد علمي على مقال الصحفية رشان أوشي حول قضايا الفساد

د. حسن عبد الرحيم أبو عجاج.. أستاذ التخطيط الاستراتيجي 

رد علمي على مقال الصحفية رشان أوشي حول قضايا الفساد

د. حسن عبد الرحيم أبو عجاج

 

إن ما طُرح أعلاه يمثل صورة دقيقة لواحدة من أعقد أزمات الدولة السودانية في مرحلتها الانتقالية، وهي أزمة تآكل الدولة بفعل تحالف المال غير المشروع مع السلطة التنفيذية. هذه الظاهرة ليست حدثاً عارضاً، بل هي نتاج تراكم تاريخي لضعف البنية المؤسسية وغياب التخطيط الاستراتيجي القائم على مبادئ الحكم الرشيد.

رد علمي على مقال الصحفية رشان أوشي حول قضايا الفساد

أولاً: الإطار التحليلي للأزمة

1. اختطاف القرار الاقتصادي

عندما تتحول مؤسسات الدولة من كونها أداة لتحقيق المصلحة العامة إلى أداة بيد شبكات مصالح خاصة، يصبح القرار الاقتصادي رهينة لهذه “الشلليات”، وهو ما يؤدي إلى تشويه أولويات التنمية.

2. الذهب كمورد مأزوم

بدلاً من أن يكون الذهب رافعة للتنمية الاقتصادية، تحوّل إلى وقود للحرب ومصدر للفساد، بسبب ضعف الرقابة على عمليات التعدين، وتعدد قنوات التهريب، وتورط مسؤولين في الاستفادة غير المشروعة.

3. تضارب المصالح وغياب الشفافية

مشاركة مسؤولين حكوميين – أو أقربائهم – في صفقات تجارية داخل القطاع الذي يشرفون عليه، يُعدّ نموذجاً كلاسيكياً لتضارب المصالح، وهو ما ينسف أي أساس لمصداقية الدولة.

4. تآكل شرعية الدولة

غياب الشفافية في العقود، وظهور شركات مجهولة أو بلا سجل مهني، يفتح الباب أمام سؤال الشرعية: هل تمثل الدولة فعلاً شعبها، أم تحولت إلى أداة للنهب المُمأسس؟

ثانياً: الأبعاد الاستراتيجية للأزمة

• اقتصادياً: يؤدي الفساد إلى ضياع الموارد وفرص التنمية، وحرمان الخزينة العامة من مليارات الدولارات سنوياً.

• سياسياً: يُضعف قدرة الدولة على التماسك الداخلي ويعمّق الانقسام المجتمعي.

• اجتماعياً: يولّد حالة من الإحباط العام وانعدام الثقة بين المواطن ومؤسساته.

• أمنياً: يصبح الذهب مورداً لتمويل النزاعات المسلحة، ما يعقّد فرص السلام.

ثالثاً: مقترحات استراتيجية لمعالجة المأزق

1. إعادة هيكلة قطاع التعدين

• إنشاء هيئة وطنية مستقلة للمعادن، خارج الجهاز التنفيذي التقليدي، وتكون مسؤولة أمام البرلمان مباشرة.

• فرض إلزامية نشر تفاصيل كل العقود الاستثمارية، بما في ذلك نسب المشاركة وأسس تقاسم الأرباح.

2. تعزيز منظومة الشفافية والرقابة

• اعتماد نظام الإفصاح المالي للمسؤولين التنفيذيين (Asset Declaration).

• إشراك منظمات المجتمع المدني والجامعات في مراقبة الأداء والصفقات.

3. مكافحة تضارب المصالح

• إصدار قانون يمنع شغل أي منصب عام لمن له مصالح تجارية في القطاع المعني.

• إخضاع أقارب المسؤولين لذات معايير النزاهة عند منح التراخيص.

4. التخطيط الاستراتيجي للتنمية

• وضع خطة وطنية متكاملة للموارد المعدنية، تربط عوائد الذهب بمشروعات البنية التحتية، التعليم، والصحة.

• التركيز على التنمية المحلية في مناطق التعدين، بحيث يشعر المواطن بأن ثروات أرضه تعود عليه بالفائدة المباشرة.

5. إصلاح مؤسسات الدولة

• إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة بدلاً من الولاءات.

• تقوية أجهزة المحاسبة (المراجع العام، النيابة المالية، ديوان الضرائب) مع حمايتها من التدخلات السياسية.

رد علمي على مقال الصحفية رشان أوشي حول قضايا الفساد

رابعاً: الخلاصة

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط فقدان موارده الطبيعية، بل تآكل مؤسساته وفقدان ثقة مواطنيه. إن التصدي للفساد المؤسسي يتطلب إرادة سياسية واضحة، وخطة استراتيجية متكاملة، تقوم على الشفافية، الاستقلالية المؤسسية، والمساءلة الصارمة.

إنقاذ ثروات الشعب السوداني ليس خياراً تنموياً فحسب، بل هو شرط أساسي لبقاء الدولة ذاتها، وإلا فإن استمرار هذا النهب سيغلق – كما ورد في المقال – جميع أبواب العودة إلى حياة وطنية طبيعية.1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى