لإصلاح وتطوير منظومة التعليم بالسودان..يجب فعل هذا…

الخرطوم _ زحل نيوز
يسعدني أن أكتب إليكم اليوم، السيد وزير التربية والتعليم، مؤملاً أن تجد رسالتي هذه ما تستحقه من الاهتمام والتقدير، حيث إنني أطرحها من موقع المواطنة الحادبة، والباحث المختص في قضايا التعليم والتنمية وشؤون القرن الإفريقي.
والمراقب عن كثب لمآلات الوضع التعليمي في بلادنا، ذلك الذي أضحى في مفترق طرق حاسم، يتطلب الجرأة في الطرح، والحكمة في التنفيذ، والإرادة السياسية القوية التي تجعل من التعليم المشروع الوطني الأول، والخطوة الحقيقية الأولى نحو الاستقرار والنهوض.
السيد الوزير،
لقد طالعت، كما تابع الملايين من أبناء السودان، جهودكم المبذولة في ملف التعليم، ومساعيكم في الدفع بعملية الإصلاح والتطوير، وهي خطوات تُحسب لكم في وقت تكاد فيه ثقة المواطن في المؤسسات تنهار، خاصة في ظل ما تمر به البلاد من أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية حرجة.
وإن من أعظم ما يمكن أن يُسند به الوطن في هذه المرحلة العصيبة، هو بناء عقل الإنسان السوداني، وتعزيز مهاراته، وتمكينه من أدوات التفكير العلمي والنقدي والإبداعي، وهي أهداف لا تتحقق إلا عبر إصلاح عميق وجاد لمنظومة التعليم بجميع مراحلها.
أولاً: أهمية التعليم كمشروع وطني
ليس ثمة طريق للتنمية المستدامة في أي بلد إلا عبر التعليم. وليس التعليم مجرد عملية نقل معرفة من جيل إلى آخر، بل هو وسيلة لإعادة تشكيل هوية الأمة، وتحصينها ضد الانهيار، وتعزيز قدرتها على المنافسة في عالم لا يعترف إلا بالعلم والكفاءة.
لذا فإنني أؤمن بأن التعليم في السودان يجب أن يكون مشروعاً وطنياً مستقلاً عن الأجندة السياسية والأيديولوجية، مشروعًا تقوده الدولة بكل مؤسساتها، وتدعمه القوى السياسية والمدنية، وتحتضنه المجتمعات المحلية، وتشرف عليه نخبة من أهل الخبرة والكفاءة.
ثانيًا: معلم مؤهل ومحفَّز.. هو البداية
أول ركائز العملية التعليمية هو المعلم. فمهما كانت جودة المناهج، وحداثة البنى التحتية، وتوفر الوسائل، فإن كل ذلك يفقد قيمته ما لم يكن المعلم محور الإصلاح. المعلم اليوم، للأسف، يعاني من ضعف التأهيل، ورداءة التدريب، وانعدام التحفيز المادي والمعنوي، الأمر الذي أدى إلى عزوف الكفاءات عن مهنة التعليم، وتحولها إلى مجرد “محطة عبور” لمن يبحث عن عمل.
وعليه، فإنني أقترح تبني خطة وطنية لتأهيل المعلمين، تشمل:
1. برامج تدريبية مكثفة ومستمرة.
2. نظام رُتب وظيفية يربط الأداء المهني بالترقي والمزايا.
3. رفع الحد الأدنى لأجور المعلمين لجعل المهنة جاذبة.
4. إطلاق “أكاديمية وطنية لتدريب المعلمين”، تتعاون مع مؤسسات دولية عريقة.
ثالثًا: المنهج والكتاب.. صناعة الإنسان الوطني المنتج
منهجنا الحالي لا يصنع وطنيًا، ولا يُنتج طالبًا يفكر، ولا يربط المعرفة بالواقع. هو منهج مجزأ، عقيم، موجه أحيانًا لأهداف سياسية لا تربوية، ويفتقر إلى التكامل بين العلوم والمهارات الحياتية. المطلوب هو إعادة بناء المنهج من الصفر، وفقًا لفلسفة وطنية واضحة، تهدف إلى:
1. تنمية التفكير النقدي والبحثي.
2. تعزيز قيم المواطنة، والتنوع، والتعايش، والاحترام.
3. تضمين مهارات الحياة والريادة والتقنية.
4. ربط التعليم بسوق العمل.
وفي هذا الإطار، أدعو إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة لتطوير المناهج، تضم خبراء من داخل السودان وخارجه، وتستفيد من التجارب العالمية الرائدة.
رابعًا: البيئة التعليمية.. بين الحلم والواقع
حال المدارس الحكومية في السودان لا يخفى على أحد، بل يُرثى له. مدارس بلا أسوار، فصول بلا نوافذ، طاولات مهترئة، مرافق صحية معدومة، ومعلم يدرّس بلا أدوات، وطالب لا يجد مقعدًا أو كتابًا أو ماءً صالحًا للشرب. بينما نرى المدارس الخاصة – رغم ما فيها من تحديات – توفر بيئة أكثر جذبًا وتحفيزًا.
إن الحد الأدنى من بيئة التعليم المحترمة يجب أن يكون متوفرًا في كل مدرسة حكومية، خاصة في المناطق الطرفية والنائية. ومن هنا، أقترح:
1. خطة خمسية لإعادة تأهيل المدارس الحكومية.
2. شراكات مع منظمات دولية ومحلية في مشاريع البنية التحتية.
3. تطبيق “التمييز الإيجابي” لصالح المناطق المحرومة.
خامسًا: تحييد التعليم عن الصراع السياسي
من أخطر ما واجه التعليم في السودان منذ الاستقلال، هو وقوعه المتكرر في دائرة الصراع السياسي. وقد كانت ضربة مايو في بداية السبعينات إحدى أخطر المحطات حين تم استيراد مناهج أقل جودة، بهدف تقويض الهوية الوطنية المتماسكة. تكررت هذه المأساة بعد 1989، حين تم تسليع التعليم، وفتح الباب على مصراعيه أمام المدارس الخاصة، على حساب المدرسة الحكومية.
إن أكبر خدمة يمكن تقديمها للتعليم اليوم، هي حمايته من التجاذبات السياسية، ومنع استغلاله كأداة للهيمنة أو التنشئة الحزبية أو الإقصاء الفكري.
سادسًا: العودة للهوية الأصيلة.. والحفظ والخط في الخلاوي
إن التعليم ما قبل المدرسي يجب أن يعود لجذوره، حيث الخلاوي التي كانت تعلم الأطفال القرآن، والخط، والسلوك، والانضباط. ولا ضير من المزج بين التعليم الحديث وهذا الإرث التربوي، وفق معايير صحية وتربوية واضحة.
سابعًا: تبني “خلطة عالمية” في التعليم العلمي والتطبيقي
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، بل إلى حسن انتقاء الأفضل. ولذلك، أقترح استلهام التجارب الناجحة من الدول المتقدمة تعليميًا، مثل فنلندا، سنغافورة، اليابان، ألمانيا، وغيرها. ويمكننا:
1. تبني عناصر مناهجهم في العلوم والرياضيات.
2. التعاون مع وزارات تعليم تلك الدول في التدريب وتبادل الخبرات.
3. إشراك معلمين وخبراء أجانب في وضع مناهجنا.
ثامنًا: اللغتان العربية والإنجليزية.. أداة لا غاية
اللغة ليست هدفًا بل وسيلة. ومشكلتنا أننا علمنا أبناءنا القواعد ولم نعلمهم الكلام. حفظوا الكلمات وفشلوا في التعبير. لذلك يجب إصلاح طرق تدريس اللغتين، والتركيز على:
1. مهارات المحادثة والاستماع.
2. الكتابة التعبيرية.
3. التطبيق العملي (مسرح – مناظرات – إذاعة مدرسية).
تاسعًا: التعليم الفني والتقني.. بوابة السودان الجديد
أكبر خطأ ارتكبته السياسات التعليمية السابقة هو إهمال التعليم الفني، وجعله “خيار من لا خيار له”. السودان اليوم يحتاج إلى آلاف المهنيين والفنيين لإعادة الإعمار، وصيانة البنى التحتية، وتشغيل المصانع والمشروعات الزراعية.
لذا، أقترح خطة عاجلة لتحفيز الطلاب نحو التعليم الفني تشمل :
1. رفع قيمة الشهادات الفنية.
2. توفير وظائف مباشرة لخريجي المعاهد.
3. برامج شراكة مع القطاع الخاص لتدريب الطلاب أثناء الدراسة.
4. الوصول خلال خمس سنوات إلى أن يكون نصف عدد طلاب المرحلة الثانوية في المسار الفني والتقني.
ختامًا..
السيد الوزير،
إن رسالتي هذه ليست نقدًا بقدر ما هي دعوة إلى شراكة وطنية في مشروع نهضة. فالتعليم ليس ترفًا، ولا مهمة وزارة بعينها، بل هو مهمة وطنية جماعية تبدأ من المنزل وتنتهي في البرلمان، مرورًا بالمدرسة والمجتمع وسائر المؤسسات.
أرجو أن تجد هذه المقترحات ما تستحقه من النظر والتأمل، ويشرفني أن أضع خلاصة خبرتي المتواضعة في خدمة هذا المشروع، راجيًا أن يأتي اليوم الذي يفخر فيه السوداني بتعليم بلاده، كما يفخر الفنلندي أو الياباني.
ولكم وافر الشكر والتقدير.
أمية يوسف حسن أبوفداية
باحث وخبير استراتيجي في شؤون القرن الإفريقي
القاهرة – 26 سبتمبر 2025



