مقالات

المهمة 300.. لماذا يغيب السودان؟

بقلم: خالد سعد

المهمة 300.. لماذا يغيب السودان؟

خالد سعد

دائما ما تمثل أزمة الكهرباء والطاقة أبرز عوائق التنمية في السودان، وقد تفاقمت حدتها مع اندلاع الحرب وما رافقها من تخريب طال محطات التوليد وخطوط النقل والتوزيع.

ووفقا للبيانات، لم يكن الوضع بالمثالي قبل الحرب، إذ لم تتجاوز نسبة السكان الذين يحصلون على الكهرباء في السودان 55.4٪ عام 2020، ما يعني أن قرابة نصف السكان خصوصا في المناطق الريفية كانو خارج نطاق التيار الكهربائي، وبالتالي فإن هذه الفجوة الكبيرة تعتبر تحديا تنمويا حتى قبل الحرب، ثم جاءت كارثة منتصف أبريل 2023م لتزيدها عمقا.

المهمة 300.. لماذا يغيب السودان؟

السودان الذي يعاني من انتشار حمى الضنك والكوليرا والملاريا بشكل غير مسبوق هذه الأيام، يغيب عن واحدة من أهم المبادرات الأفريقية في مجال الطاقة، حيث انضمت 29 حكومة أفريقية إلى مبادرة المهمة 300 التي تهدف إلى توسيع نطاق الحصول على الكهرباء، حيث تقود المبادرة مجموعة البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، وتستهدف إيصال التيار إلى 300 مليون أفريقي بحلول عام 2030م، وبتكلفة معقولة.

يذكر بأن وزير المالية والتخطيط الاقتصادي طالب بادراج البلاد في المبادرة الافريقية،لكن عدم التفاعل مع طلب السودان حتى الآن، غالبا يعود إلى البيئة السياسية والأمنية غير المستقرة في البلاد، بالإضافة إلى العوامل التي تعيق الاستثمار والتخطيط طويل الأجل.

وتشير تقديرات الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء إلى خسائر أولية تجاوزت 180 تريليون جنيه سوداني (ما يعادل أكثر من 300 مليون دولار) نتيجة استهداف البنية التحتية لقطاع الكهرباء خلال الحرب، حيث تعتمد البلاد أساسا على المحطات المائية والحرارية في توليد الطاقة، لكن معظمها تضرر، وتجرى حاليا جهود مكثفة لاستعادة ما يمكن انقاذه.

لم يتوقف الأمر عند تدمير المحولات الرئيسة والفرعية، بل امتد إلى شبكات النقل في مختلف الولايات، مع انتشار واسع لعمليات سرقة الكوابل النحاسية من المحولات، وحتى الحفر المنظم لاستخراج النحاس وتهريبه إلى الخارج.

ولا تنفصل أزمة الكهرباء عن الأزمة الاقتصادية العامة في السودان، فبالاضافة إلى معاناة ملايين المواطنين والمنتجين من ساعات انقطاع التيار المستمر، زادت التعرفة حتى وصلت إلى 13000% لبعض الفئات.

وتعاني البلاد من فجوة تمويل هيكلية تقدر بـ 24.3 مليار دولار سنويا، بينما تجاوزت خسائر الحرب الاقتصادية 125 مليار دولار، وهنالك تحذيرات اقتصادية من تفاقم الفقر ليشمل أكثر من ثلثي السكان، وهذه المعطيات تكشف أن غياب السودان عن مبادرات إقليمية كالمهمة 300 ليس عرضا عابرا، بل نتيجة مباشرة لهشاشة الاقتصاد وتداعيات الحرب الممتدة.

إن خسارة السودان لفرصة الانضمام إلى المهمة 300، تؤدي إلى ضياع تمويلات محتملة أو مشاريع في مجال الطاقة، وهي أيضا فقدان فرصة للاندماج في شراكات تنموية واسعة كان من شأنها إعادة بناء البنية التحتية للكهرباء بدعم فني ومالي من مؤسسات دولية.

كما يمكن أن تسهم هذه المبادرة في تحفيز الاقتصاد الوطني عبر خفض كلفة الإنتاج وتحسين بيئة الأعمال، وتحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم وربطها بالكهرباء كشرط أساسي للتنمية، بالاضافة إلى تقليص فجوة الفقر والتنمية بين الريف والحضر، ما يسهم في الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

إن حالة عدم الاستقرار السياسي والحرب المستمرة تجعل من الصعب على السودان إعداد أو تنفيذ التزامات طويلة الأجل ومعقدة مثل “الميثاق الوطني للطاقة” الذي هو أساس الانضمام للمبادرة.

كما أن المانحين والمؤسسات المالية الدولية (مثل البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، وهما قادة المبادرة) عادة ما يترددون في ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع البنية التحتية في بيئة عالية المخاطر، دون أن نتجاهل التحيزات الدولية في التمويل.

ومبادرة “المهمة 300” تتطلب أيضا إصلاحات في البيئة التنظيمية والحوكمة لقطاع الطاقة لجذب الاستثمار الخاص، وفي ظل الأوضاع الحالية، تفتقر البلاد إلى اليقين التنظيمي والإطار المؤسسي الفعال، مما يعيق عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي ووضع السياسات اللازمة للمشروع.

وعلى الرغم من أن المبادرة هدفها توفير التمويل، إلا أن السودان يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالديون الخارجية، والتي عادة ما تكون مبررا يعيق قدرته على الحصول على قروض ومنح جديدة للمشاريع التنموية الكبرى، ما لم يتم تسوية وضعه المالي الدولي.

باختصار، تتطلب مبادرة “المهمة 300” بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ لضمان نجاح المشاريع وحماية استثمارات المانحين والقطاع الخاص، وهي عوامل تفتقر إليها السودان حاليا بسبب الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى