مقالات

السودان ومشروع سلام السيد ترامب

معا لصناعة البديل.. أسامة ميرغني

السودان ومشروع سلام السيد ترامب

أسامة ميرغني

 

يُعدّ تحويل الصراع المسلح في السودان إلى صراع سياسي خطوة ضرورية لمستقبل البلاد واستقرارها، غير أنّ معسكرات الممانعة لا تزال تصر على التمسك بخيار السلاح، رغم أن هذا النهج ليس جديدًا في تاريخ السودان.

فعلى سبيل المثال، لم يكن خافيًا على المؤتمر الوطني آنذاك فوز السيد عبد العزيز الحلو في أول انتخابات جرت بعد اتفاقية نيفاشا الموقعة بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية – قطاع الشمال. ورغم وضوح النتيجة، دفع الحزب الحاكم بمرشح آخر من ولاة شمال كردفان السابقين لمنافسة الحلو، في وقت كان من المنطقي أن يُدعم مرشح الحركة الشعبية ليتحول الصراع في جنوب كردفان من مواجهة مسلحة إلى منافسة سياسية سلمية.

السودان ومشروع سلام السيد ترامب

وفي النيل الأزرق، كرّر التاريخ نفسه حين فاز السيد مالك عقار في الانتخابات بعد اتفاقية نيفاشا، وكان يمكن لذلك الفوز أن يكون خطوة نحو نهاية الحرب وبداية عهد جديد من التنافس السياسي السلمي. لكن ما حدث هو العكس؛ إذ صُنعت الأزمات عمدًا لمنع هذا التحول. وبلغ التوتر ذروته عندما رُوّجت أنباء عن رفض عقار لقاء الرئيس المخلوع عمر البشير في القصر الجمهوري، ليُقدَّم ذلك كدليل على تمرده، رغم أن الخلاف كان في جوهره سياسيًا لا عسكريًا.

وخلال عطلة عيدٍ ديني، تفجّرت الحرب في النيل الأزرق مجددًا، في مشهد بدا وكأنه صراع صُمّم بعناية لإبقاء الإقليم في دوامة العنف. والإدارة الأمريكية، التي تدرك أن الحروب أصبحت تجارة مربحة لتجار الأزمات، لا تستبعد أن تُعاد تجربة النيل الأزرق في مناطق أخرى من السودان متى ما استدعت المصالح ذلك.

تجارب التسوية السياسية ليست غريبة عن الساحة الدولية؛ فقد شهدنا تسوية مشابهة في سوريا عندما تم إسقاط العقوبات الأمريكية عن بعض المسؤولين السوريين في إطار تفاهمات محددة. ويبدو أن في ذلك رسالة ضمنية موجهة إلى كلٍّ من رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مفادها أن العقوبات يمكن أن تُرفع متى ما تحققت التسوية.

لكنّ المشهد السوداني أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في معادلة داخلية؛ فالقضية تتجاوز حدود السودان لتصبح جزءًا من مشروع أممي أوسع، تتقاطع فيه المصالح الأمريكية والأوروبية. وتدرك أوروبا، على وجه الخصوص، أهمية السودان كبوابة رئيسية إلى إفريقيا، لذا تحرص على إبقائه في حالة “نزاع مُدار” يمنع استقراره الكامل.

أما الولايات المتحدة، فترى في استقرار السودان ضرورة استراتيجية، ليس فقط لحفظ الأمن الإقليمي، بل أيضًا لإنجاح مشاريع النقل البحري العابرة للقارات التي تربط الأسواق الآسيوية الكبرى في الصين والهند وإندونيسيا بالموانئ الإفريقية، في إطار ما يُعرف بـ جسر القارات البديل.

ولعلّ هذا يفسر وجود أكبر السفارات الصينية والهندية والأمريكية في العاصمة الخرطوم، كدلالة على أهمية السودان في الحسابات الدولية. فاستقرار هذا البلد ليس مصلحة محلية فحسب، بل ركيزة لمعادلة إقليمية ودولية متشابكة.

نجاح مشروع سلام السيد ترامب في السودان – إن تحقق – يتطلب إعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي بما يتناغم مع التحولات الإقليمية والدولية، ويؤسس لسلامٍ حقيقي يضع حدًا لدائرة العنف المستمرة منذ عقود.

نواصل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى