مقالات

السودان بين نوفمبر 1958ونوفمبر 2025.. قراءة في التاريخٍ

أسامة ميرغني .. عن الحوار السوداني السوداني(٥_٥)

السودان بين نوفمبر 1958ونوفمبر 2025.. قراءة في التاريخٍ

لم يكن إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955 حدثًا متوقعًا؛ فقد جاءت جلسة البرلمان متأخرة ذلك الصباح، تأخيرًا بدا مقصودًا من رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري، الذي كان يقود الحكومة الانتقالية منذ عام 1953.

ثلاثة أعوام من التجربة البرلمانية الوليدة لم تمنح البلاد استقرارًا سياسيًا؛ ثلاث حكومات تعاقبت في وقت قصير، وأحزاب حديثة النشأة لا تملك الهياكل القادرة على إدارة العمل السياسي، بعدما تأسست وفق قانون صدر عقب نهاية الحرب العالمية الثانية.

السودان بين نوفمبر 1958ونوفمبر 2025.. قراءة في التاريخٍ

ورغم هشاشة البنية الحزبية، تمكن الحزب الوطني الاتحادي بقيادة الأزهري من تحقيق فوز واسع في الحضر والريف معًا. المفارقة أن البرنامج السياسي للحزب كان يدعو للوحدة مع مصر، لكن انقلاب الرئيس جمال عبد الناصر على اللواء محمد نجيب—الأقرب وجدانيًا للمزاج السوداني—قلب حسابات السياسة رأسًا على عقب، وأعاد ترتيب التحالفات في الخرطوم.

كان انقلاب الضباط الأحرار عام 1952 مصدر إلهام للكثير من السودانيين، الذين رأوا فيه نهاية حقبة الخديوي واستعادة مصر لقرارها الوطني. لكن إزاحة محمد نجيب خلّفت جرحًا لم يندمل، خصوصًا في الأوساط المتعاطفة مع فكرة وحدة وادي النيل.

باندونغ… اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء

في مؤتمر باندونغ لحركة عدم الانحياز، ظهرت الخلافات للعلن. عبد الناصر قدّم نفسه ممثلًا لـ”مصر والسودان”، فاعترض الأزهري بشدة مؤكداً أن للسودان حكومة شرعية منتخبة لا يتحدث أحد باسمها.

كان السجال سياسيًا لكنه حمل رمزية عميقة؛ فالسودان—الذي كان ما يزال تحت الإدارة البريطانية—لم يكن يملك علمًا مستقلًا. عندها رفع الأزهري منديلًا أبيض من جيبه قائلاً: هذا علم السودان الجديد. فقبِلت قمة باندونغ تمثيل السودان ككيان مستقل، وهي لحظة مفصلية في صناعة الوعي السياسي السوداني.

صرايا السيد عبد الرحمن… الاجتماع الذي لم يُوثّق

في صباح 19 ديسمبر 1955، وبينما ينتظر نواب البرلمان افتتاح الجلسة، عُقد اجتماعٌ عاجل في صرايا السيد عبد الرحمن المهدي بالخرطوم. الصحافي السوداني الذي وثّق أحداث الاستقلال—وهو من أبرز الناشرين حينها—ذكر تفاصيل كثيرة عن ذلك اليوم، لكنه لم يُشر إلى ما دار داخل ذلك الاجتماع، رغم أنه كان حاضرًا فيه.

اجتماعٌ بقي جزءًا من التاريخ الشفاهي، لا من الوثائق الرسمية(حزب الأمة هو من يسلم السلطة للجيش- السيد عبد الله خليل للسيد الفريق عبود نوفمبر 1985م السيد الصادق المهدي حزب الأمة للعقيد نميري 1968م السيد الصادق المهدي حزب الأمة للعميد عمر حسن البشير 1989م)

الجلسة التي صنعت التاريخ

دخل النواب أخيرًا القاعة. كان هناك اتفاق مسبق بين الأزهري ونواب كردفان ودارفور(بعيد عن الإلتزام الحزبي) بأن يكون استقلال السودان هو البند الوحيد في جدول الأعمال. وما إن تقدّم النائب حسين دبكة بمقترح إعلان الاستقلال، حتى ثنّى نواب كردفان طلبه فورًا، فخرجت اللحظة من دائرة الترقّب إلى ساحة القرار.

طلب الأزهري أن يكون التصويت علنيًا؛ “من يعارض الاستقلال فليقف”. لم يقف أحد. لحظة إجماع وطني نادرة، لكنها لم تشمل الجميع؛ فالقائد العام لقوات دفاع السودان لم يكن حاضرًا داخل البرلمان، رغم أن القوات نفسها حملت عبء الحرب العالمية الثانية بجانب بريطانيا على وعدٍ صريح بمنح السودان استقلاله.

تلك المشاركة جعلت الجيش—أو قوات دفاع السودان آنذاك—يرى نفسه شريكًا أصيلًا في صناعة الدولة، لا قوةً على هامشها. لذلك لم يكن انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958 مجرد مغامرة عسكرية، بل كان يُنظر إليه داخل المؤسسة العسكرية كـ”تصحيح لمسار سياسي مرتبك”. ومنذ ذلك اليوم بدأت الثنائية التي ستلازم تاريخ السودان: مكون عسكري مقابل مكون مدني… علاقة ملتبسة لم تُحسم حتى اليوم.

من نوفمبر 1958 إلى نوفمبر 2025… الأسئلة نفسها تعود___

التاريخ في السودان لا يسير في خط مستقيم؛ يعود، ويلتف، ويعيد طرح الأسئلة ذاتها:

من يحكم؟ وكيف تُدار الدولة؟ ومن يملك حق تقرير مصير الوطن؟

بين نوفمبر عبود 1958 ونوفمبر أزمات 2025، ظلّ السودان يبحث عن معادلة توازن بين العسكري والمدني، بين شرعية البندقية وشرعية البرلمان، وبين حلم الدولة الوطنية وواقع التشظي السياسي.

واليوم، حين نتحدث عن “صناعة البديل”، فإننا لا ندعو لإسقاط أحد، بل لدولة قائمة على المؤسسات لا الأشخاص؛ دولة لا يصنعها انقلاب ولا صفقة، بل تعاقد وطني جديد يقطع مع الحلقة الجهنمية التي بدأت منذ أول انقلاب.

خاتمة: معاً لصناعة البديل

السودان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وعي جمعي يعترف بالأخطاء الأولى منذ 1955، ويمتلك الجرأة ليبني دولة حديثة على أساس شراكة حقيقية لا ثنائية متصارعة.

إن لم نصنع البديل، فسيصنع التاريخ لنا بدائل أسوأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى