ياسر الفادني يكتب : إفتقدت الإبتسامة !

الخرطوم _ زحل نيوز
هذه ليست أغنية… هذا نصٌّ وجدانيٌّ كامل، كُتب بالحِس، وتغنّى بالروح، وتسلّل إلى القلب بلا استئذان
(افتقدتك) عملٌ تتصافح فيه شاعرية عبد العال السيد مع حساسية الهادي الجبل في منطقة نادرة: منطقة الصدق العاطفي الخالي من الزينة المصطنعة
عبد العال السيد هنا يُنزِل اعترافاً عاطفياً شفيفاً؛ لغته بسيطة، لكن هذه البساطة خادعة، لأنها مشحونة بطاقة شعورية عالية، هو من مدرسة الشعر الغنائي التي تؤمن أن أقصر طريق إلى القلب هو الصدق، لذلك لا يتعقّد، لا يستعرض، لا يركّب صوراً ذهنية ثقيلة، بل يترك العبارة تمشي حافية في وجدان المستمع:
افتقدتك يا صبا عمري وشبابي
جملة واحدة تكفي لتلخيص سيرة حب كاملة، هنا الذكاء الشعري: أن تقول الكثير بأقل عدد من الكلمات، وأن تترك للفراغ بين السطور مساحة ليملأها المستمع من ذاكرته الخاصة
طريقة لعبه بالكلمات تعتمد على التكرار الواعي، لا بوصفه حشواً، بل كإيقاع داخلي يشبه خفق القلب عند الفقد. كلمة افتقدتك لا تعود لأنها جميلة، بل لأنها موجعة، ولأن الألم الحقيقي لا يُقال مرة واحدة. في كل عودة للكلمة، يرتفع منسوب الشوق، ويتضاعف ثقل الغياب
ثم يأتي خطابه المباشر: اكتبي لي عن سنيني… قولي لي عن أي شيء في الدنيا شاغلك، وهنا يبلغ النص ذروة إنسانيته، إذ يتحول الحب من نشيد عاطفي إلى حاجة وجودية، كأن الكتابة من الحبيبة صارت شرطاً للبقاء
عبد العال ينتمي إلى مدرسة الواقعية الوجدانية: لا يبحث عن الصورة المدهشة بقدر بحثه عن الإحساس الحقيقي، لذلك تبدو كلماته مألوفة، لكنها حين تُقال، تصيب في مقتل. هذا النوع من الشعر لا يُدهشك لحظة السماع، بل يسكنك طويلاً بعد الصمت
أما لحن الهادي الجبل، فهو لحن يعرف جيداً كيف يمشي بجانب الكلمة لا فوقها؛ لا يطغى، لا يتباهى، لا يتزاحم مع النص، بل يحتضنه بحنو، الجمل اللحنية ممتدة، هادئة، مشبعة بالشجن، مبنية على تصاعد شعوري تدريجي، يجعل المستمع ينتقل من حالة الإصغاء إلى حالة التماهي
موسيقاه ليست استعراضية، بل اعترافية، كأن الآلات لا تعزف، بل تتنفس مع صوته. الإيقاع متوازن، لا يستعجل الدهشة، ولا يسمح للملل أن يتسلل، محافظاً على حالة وجدانية واحدة: الشوق الممزوج بالحزن النبيل
صوت الهادي الجبل هو العمود الفقري لهذا العمل. تلك البحّة الجميلة ليست مجرد صفة صوتية، بل علامة فنية بحّة تحمل في طياتها التعب، والحنين، والنضج، والتجربة، صوته ليس صارخاً ولا متأنقاً، بل صادق إلى حد الوجع
يمتلك قدرة عالية على التحكم في المساحات الشعورية: يصعد حين يجب أن يصعد، ويهمس حين يكون الهمس أبلغ من الصراخ. صوته يشبه رجلاً يجلس ليلاً على حافة الذاكرة، ويغني لنفسه قبل أن يغني للآخرين
في وجدان المستمع، تشكّل افتقدتك حالة خاصة؛ أغنية توقظ الغياب، وتفتح دفاتر الشوق القديمة، وتعيد ترتيب الفقد داخل القلب. هي من تلك الأعمال التي لا ترتبط بزمن محدد، لأنها تتغذى من شعور إنساني خالد: الحنين
أنا من منصتي أستمع… ثم أقول:
كل من أحب بصدق، سيجد نفسه هنا، وكل من فقد، سيبكي بصمت هنا، وكل من ينتظر، سيطيل الوقوف هنا.








