
رمضان ومعجزة حفظ القرآن.. معلومات قد لا تعلمها!
أ. زهير هاشم طه
في أول ليلة من ليالي الشهر الفضيل أحاول أن أتأمل وأتدبر في معاني الآية الكريمة التاسعة من سورة الحجر:
“إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”، والمقصود بالذكر هنا القرآن الكريم، وهو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم. ومعجزة القرآن هي سيدة معجزات الأنبياء عليهم السلام؛ لأن أي معجزة أوتيت لنبي مخصوصة بسياق زماني ومكاني محدد، إلا معجزة القرآن العابرة للزمان والمكان، حتى إننا نراها بأم أعيننا بعد ألف وأربعة قرون من الزمان.
كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً في الأربعين من عمره، وكان يعمل تارة بالرعي وتارة بالتجارة، وكان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك قال بكل ثقة فيما يبلغه عن ربه: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.

واليوم، وبعد ألف وأربعمائة سنة، نرى هذه الآية قد تحققت كفلق الصبح، فصرنا نرى القرآن الكريم محفوظًا بحفظ الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وحفظ القرآن نوعان: حفظ في الصدور، وحفظ في السطور.
أما الحفظ في الصدور فهو تيسير الله لعشرة ملايين مسلم أن يحفظوا هذا الكتاب عن ظهر قلب؛ لم يحفظوا آياته فحسب، بل حفظوا حتى نطق حروفه مدًّا وتفخيمًا وترقيقًا وقلقلة، حتى إن طريق نطق الحروف أصبحت علمًا قائمًا بذاته يسمى علم التجويد.
ولعمري، لم يحدث في تاريخ الكتب منذ أن اخترعت الكتابة في سومر القديمة وحتى الآن أن حُفظ كتاب سماوي أو أرضي عشرة ملايين إنسان عن ظهر قلب بطريقة دقيقة شملت حتى مدّات الحروف. فهذه الظاهرة لا تفسرها كل نظريات الأدب والنقد وتحليل النصوص، وليس لها من تفسير إلا أن الله حفظ كتابه ويسره لحفظ عباده: “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”.
أما الحفظ في السطور فيتحدث عنه علم الببليوغرافيا “علم الكتب والمخطوطات”، الذي درس علماؤه أقدم نسخ من القرآن في طشقند وإسطنبول وصنعاء، فوجدوها متطابقة مع بعضها، ومطابقة لما عند المسلمين اليوم من قرآن.
كما درسوا بالكربون المشع نسخة برمنغهام، فوجدوا أن وجودها يرجع إلى القرن الأول الهجري، ووجدوها أيضًا تطابق النسخ المعاصرة. وهذا تطابق فريد؛ إذ في العادة تتحرف الكتب التي يماثل عمرها عمر القرآن، سماوية كانت أو أرضية.
وحتى إذا سلمت الكتب من التحريف المباشر بالتزوير، فإنها لن تسلم من تحريفات الترجمات من لغة إلى أخرى؛ فالترجمة عند العلماء خيانة للنص. وقد حفظ الله القرآن بأصله العربي الذي لا تجوز ترجمته نصًّا، ويُترجم تفسير معناه. وهذه من الأسباب التي يسرها الله لحفظ القرآن.
إذ إن من أسباب تحريف الإنجيل ترجمته من لغة إلى أخرى، وضياع النص الأصلي بين ترجمات متعددة من الآرامية، لغة المسيح، إلى اللاتينية، إلى الإنجليزية في نسخة الملك جيمس الشهيرة.
ان هذا الحفظ الخالد للقرآن الكريم هو مما اختص الله به هذه الأمة، أمة الوسطية والشهادة، فحق لها أن تحتفي في رمضان، شهر القرآن، بكلام الرحمن الذي أُنزل على النبي المصطفى من ولد عدنان صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن تبليغ القرآن خير ما جزى نبيًّا عن أمته.








