التعليم الفني والحرفي والتقني.. سلاح السودان في معركة الإعمار

التعليم الفني والحرفي والتقني.. سلاح السودان في معركة الإعمار
كتب _ علي العبد
يمر السودان بمرحلة مفصلية من تاريخه، فبعد الانتصارات التي تحققها القوات المسلحة في ميادين القتال، تبرز معركة لا تقل أهمية عن معركة السلاح، وهي معركة إعادة البناء والإعمار. فالحرب خلّفت دماراً واسعاً في البنية التحتية، وأثقلت كاهل الاقتصاد، ورفعت معدلات البطالة بين الشباب.
وفي خضم هذا الواقع يبرز سؤال جوهري: من الذي سيعيد بناء السودان؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن إعادة الإعمار لا تقوم على الشهادات النظرية وحدها، بل على الأيدي الماهرة والمهارات العملية. فالسودان اليوم يحتاج إلى البنّاء الذي يشيد المدارس والمستشفيات، والنجار الذي يعيد الأبواب والنوافذ، والكهربائي الذي يعيد النور إلى المدن، والحداد الذي يعيد تشغيل المصانع، والمزارع الذي ينهض بالإنتاج الزراعي. هؤلاء هم الجنود الحقيقيون في معركة الإعمار.

لكن الواقع يكشف عن أزمة عميقة؛ فقد تم تهميش التعليم الفني لعقود طويلة لصالح التوسع غير المدروس في التعليم الأكاديمي، مما أدى إلى تخريج آلاف الشباب بشهادات نظرية في وقت يحتاج فيه السوق إلى مهارات عملية. هذه الفجوة أصبحت اليوم أحد أكبر التحديات أمام عملية إعادة البناء.
لذلك فإن إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتقني لم تعد خياراً، بل ضرورة وطنية عاجلة، تتطلب رؤية واضحة وخطوات عملية. وفي مقدمة هذه الخطوات إنشاء مراكز حديثة للتدريب والتأهيل المهني في مختلف الولايات، تعمل على تدريب الشباب في مجالات الحرف والصناعات الأساسية مثل الكهرباء والميكانيكا والنجارة والحدادة والتقنيات الزراعية الحديثة. هذه المراكز يمكن أن تقدم برامج تدريبية مكثفة تسهم في تأهيل الشباب بسرعة للمشاركة في عملية الإعمار.
كما أن تشجيع الاستثمار في التعليم الفني والحرفي يمثل خطوة حاسمة في بناء منظومة تدريب قوية، وذلك عبر فتح المجال أمام القطاع الخاص ورجال الأعمال لإنشاء المعاهد والمدارس الفنية، مع تقديم حوافز وتسهيلات حكومية، بما يخلق شراكة حقيقية تربط التعليم بمتطلبات سوق العمل والإنتاج.

ومن المهم أيضاً الاستفادة من طاقات الشباب المستنفرين الذين لبّوا نداء الوطن في معركة الدفاع عنه، وذلك عبر إدماجهم في برامج تدريب وتأهيل مهني بعد انتهاء مهامهم العسكرية. فهؤلاء الشباب يمتلكون روح الانضباط والالتزام، ويمكن تحويلهم إلى قوة إنتاجية كبيرة تسهم في إعادة إعمار المدن والقرى، والمشاركة في مشاريع البناء والزراعة والصناعة، ليكونوا جنوداً في معركة البناء والتنمية كما كانوا جنوداً في معركة الدفاع عن الوطن.
ولا يقل أهمية عن ذلك دور الإعلام والمنصات الرقمية والمواقع الإلكترونية في تغيير النظرة السائدة تجاه التعليم الفني. فالمطلوب اليوم أن تتبنى المؤسسات الإعلامية حملات توعوية وبرامج متخصصة تبرز أهمية المهن التقنية والحرفية، وتسلط الضوء على قصص النجاح في هذا المجال، حتى يدرك المجتمع أن العامل الماهر هو ركيزة أساسية في نهضة الاقتصاد وبناء الأوطان.
السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل آثار الحرب إلى نقطة انطلاق نحو نهضة حقيقية، ولن يتحقق ذلك إلا إذا استثمرنا في بناء الإنسان المنتج القادر على العمل والإبداع. فالتعليم الفني ليس مجرد مسار تعليمي، بل هو قوة إنتاج ورافعة اقتصادية وطوق نجاة لوطن يسعى للنهوض من تحت الركام.







