
مرض لعين…. يسبق بكاء القصيدة ! !
لستُ من الذين يبالغون في الحزن أمام الكاميرات، لكنني أعترف أن ذلك الفيديو كسر شيئاً في داخلي… رأيت فيه الشاعر السوداني الأصيل الأستاذ جمال عبد الرحيم راقدا في منزله، وقد أثقل المرض جسده، لكنه لم يستطع أن يهزم تلك الروح التي ظلّت طوال عمرها تُطعِم الناس خبز الكلمات الدافئة،

زيارة الزميل بخاري بابكر له لم تكن مجرد زيارة لمريض فحسب ، بل كانت مواجهة مؤلمة بين الذاكرة والزمن… بين شاعرٍ كان يملأ الدنيا خفةً وبهجةً، وبين جسدٍ أنهكه المرض اللعين حتى بدا كأن التعب قد كتب سطوره على ملامحه.
لكن، رغم ذلك كله، كان هناك شيء لا يزال واقفاً بشموخ… شيء يشبه الكبرياء النبيل، يشبه الصبر، يشبه السودانيين حين تضيق بهم الحياة ولا ينكسرون.
كان جمال عبد الرحيم يتحدث بعينيه أكثر من صوته، وكأن الصمت نفسه صار قصيدة،
هذا الرجل الذي سكن وجدان الناس بكلماته، وترك في الذاكرة السودانية أغنيات لا تشيخ، لم يكن مجرد شاعر يكتب النصوص، بل كان قلباً مفتوحاً على الناس جميعاً،
يحب البشر كما يحب الحروف، ولذلك خرج شعره دافئاً، بسيطاً، عميقاً، يدخل القلوب بلا استئذان.
وحين أتأمل حاله اليوم، أتذكر ذلك (العصفور) الذي حلق يوماً في فضاء الأغنية السودانية، يوزع الفرح على الأرواح المتعبة… لكنه الآن يبدو كأنه عصفورٌ مهيض الجناح، أرهقه التحليق الطويل، وأدخله المرض إلى عتمةٍ تشبه بطن الحوت عنوان القصيدة التي تغنت بها فرقة عقد الجلاد.
ومع ذلك… ما زلت أؤمن أن بعض العصافير لا تموت داخل الظلام نعم، هناك تحركات رسمية لعلاجه، ونعم نشكر كل يد امتدت لتخفف عنه، ونخص بالشكر والي الولاية وكل من تحرك بدافع الوفاء لرجل أعطى الوطن جمالاً بلا مقابل، لكن يبقى أعظم ما يحتاجه المبدع في لحظات الوجع هو ألا يشعر أنه تُرك وحيداً في آخر الطريق.
المؤلم حقاً أن المبدعين عندنا غالباً ما يُكتشف وجعهم متأخراً، بعد أن يلتهم المرض أعمارهم، وبعد أن يصبح الجسد ساحةً مفتوحة للألم.
نصفق لهم وهم يغنون للحياة، ثم نندهش حين نجدهم وحدهم في مواجهة الموت
يا جمال…
أيها الرجل الذي جعل الكلمات تمشي على قدمين…
أيها العصفور الذي علّمنا كيف يكون الغناء وطناً صغيراً…
نحن لا نملك لك إلا الدعاء، لكنه دعاء خارج من قلوب تعرف جيداً كم من الضوء زرعته في أرواح الناس
نسأل الله أن يشفيك شفاءً لا يغادر سقماً، وأن تعود كما عرفك الناس:
حضوراً… ووهجاً… وجمالاً.
وما زلنا ننتظر أن يخرج ذلك العصفور من بطن الحوت… أكثر قوةً، وأكثر حياة.








