مقالات

لم نستدرك بعد .. و حرب التتار الجدد على الذاكرة السودانية

الشاذلي حامد المادح 

لم نستدرك بعد .. و حرب التتار الجدد على الذاكرة السودانية

الشاذلي حامد المادح

بينما تنشغل منصات الأخبار و عواصم القرار بأعداد القتلى و حسابات الربح و الخسارة العسكرية على الأرض .. ثمة حرب أخرى صامتة .. أشد فتكاً و أعمق أثراً ، دارت خلف ميدان المعارك لإستئصال الوجدان السوداني و تجريف الهوية الوطنية من جذورها .. إنها جريمة (الإبادة الثقافية و الحضارية) الشاملة التي تورطت فيها ميليشيا الدعم السريع ، مستهدفةً ذاكرة الأمة و بنيتها المعرفية ، في ظل صمت مريب و غياب تام للتوصيف الحقيقي لحجم هذه الكارثة الإنسانية .

إن ما جرى و يجري منذ إندلاع هذه الحرب ليس مجرد تدمير لبنى تحتية يمكن إعادة بنائها ، بل هو عملية محو ممنهجة لتاريخ ممتد لألاف السنين من الإسهام الحضاري و الفكري و الإنساني .. فالمصانع و المباني تُعوض ، لكن الذاكرة إذا أُحرقت ، تخرج الأمة من التاريخ عارية بلا سند يسترها .

لم نستدرك بعد .. و حرب التتار الجدد على الذاكرة السودانية

الذاكرة المنهوبة .. من كرمة إلى دار الوثائق

لقد بدأ التتار الجدد معركتهم من حيث بدأت الهوية السودانية الأولى إنتاج حضارتها فأقتحموا المتحف القومي بالخرطوم و عبثوا بمقتنياته التي تختزل تاريخ الممالك النوبية و مراحل التطور البشري في وادي النيل .. نُهبت الأثار و سُربت عبر الحدود في أسواق التجارة غير المشروعة و ما أستردته الأجهزة الوطنية – بواسطة هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة – و الذي لم يتجاوز (132) قطعة ، ليس إلا غيضاً من فيض الذاكرة المفقودة الموزعة الأن في مزادات العالم السرية .

و لم تسلم دار الوثائق القومية – التي تضم أندر المخطوطات و الوثائق السياسية و الإجتماعية لأفريقيا و شبه الجزيرة العربية – من هذا التدنيس .. لقد خضعت الدار لسيطرة الميليشيا لما يقارب العامين (لا نعلم من كان بصحبتهم) .. عُبث فيها بالخزائن و نُسخت وثائق و تُركت أخرى لعوامل التلف و الضياع .. إن فقدان وثيقة سودانية واحدة هو بترٌ لجزء من الحقيقة التاريخية للأمة التي لا يمكن إستعادتها أبداً .

محرقة الفكر .. مكتبات الرموز و العلماء

الكارثة التي تقضم نياط القلب و التي لا تملك فرضية (النسخ الإحتياطية) هي تحول المكتبات الخاصة لرموز و علماء و مفكري السودان إلى رماد .. هذه المكتبات في بيوت الخرطوم و أمدرمان و بحري لم تكن مجرد رفوف مرصوصة ، بل كانت “مختبرات لإنتاج الوعي السوداني” و جامعات مصغرة جُمعت أمهات كتبها و مراجعها النادرة بشق الأنفس .. حين دخل الجهل ببندقيته إلى هذه البيوت ، إستباح هذا الإرث فتحولت كتب البروفيسورات و المؤرخين و القانونيين و الأدباء إلى وقود لطهي الطعام ، أو ركام محروق تحت الأنقاض .. فالقيمة الفادحة التي خسرناها هنا لا تعوض و هي تتمثل في :

المسودات و المخطوطات البكر .. مذكرات شخصية ، شهادات تاريخية و بحوث لم تُنشر و مات أصحابها أو شُردوا قبل أن ترى النور .

هوامش العلماء (إرث القراءة) .. تلك التعليقات و الحواشي المكتوبة بخط يد الكبار (أمثال عبد الله الطيب، أو أبو سليم أو يوسف فضل و حسن الترابي و غيرهم ) على أطراف الكتب و التي تمثل حواراً فكرياً فذاً مات بموت الورق .

الإغتيال الرمزي للأستاذ .. إنها رسالة تعمدت الميليشيا تصديرها مفادها “لا قيمة للعلم و لا حصانة للمفكر” .. أن يخرج العالم السوداني من بيته لا يحمل سوى ثوبه ، ليرى شقاء عمره الفكري يذروه الرياح كرماد ، هي الطعنة الأعمق في خاصرة الكرامة الوطنية .

تجريف منبر الوعي .. هنا أمدرمان و مقصلة الصحافة

حين إقتحمت الميليشيا مبنى الإذاعة و التلفزيون في أمدرمان ، لم تكن تستهدف مبنىً خرسانياً ، بل كانت تستهدف “أثير الأمة” و ذاكرتها الصوتية و المرئية .. تعرضت الهيئة العامة للإذاعة و التلفزيون لتجريف لوجستي و معرفي لم يسبق له مثيل و إمتدت يد التخريب لتطال المحطات الولائية و الخاصة .. و هنا نذكر بحسرة ما حلّ بـإذاعة المساء و تلفزيون أمدرمان للأستاذ حسين خوجلي ، هذا الصرح الذي مثّل لسنوات طويلة مخزناً توثيقياً هائلاً للأدب و الفن و السياسة السودانية .

أما الكلمة المكتوبة فقد أُعدمت مع سبق الإصرار و الترصد بتدمير جميع المطابع و دور النشر و المكتبات العامة و دُفعت الصحافة الورقية السودانية – صاحبة التاريخ العريق في الريادة المستنيرة منذ مطلع القرن الماضي – إلى حافة الإنقراض الكامل و ربما لن يطالع السودانيون صحيفة ورقية مجدداً مما يعزل المجتمع عن أدوات نقاشه العام التقليدية و يقطع حبل التواصل المعرفي بين الأجيال .

الإنكفاء الثقافي و سرقة النص السوداني

هذا التدمير المادي الداخلي يأتي مكملاً لمهددات خارجية بدأت تتسلل منذ عقود إلى جدار الهوية الثقافية السودانية .. ففي الوقت الذي كان فيه الفن السوداني و الدراما السودانية يسيطران على الوجدان الأفريقي (كما ناقشنا في منتدى روان عام 2005 بحضور البروفيسور عبد الله حمدنا الله) .. بدأت قوى إبداعية أخرى في القارة السمراء تسحب البساط ، حيث تمددت الأغنية الزائرية (الكونغولية) بإيقاعاتها من تحت أقدام الأغنية السودانية .. و إستحوذ الفيلم و الدراما النيجيرية على ذائقة المشاهد الأفريقي ، في ظل غياب الرؤية الرسمية السودانية لحماية هذا التمدد الناعم .

و الأخطر من ذلك .. هو ما يتعرض له النص الإبداعي السوداني اليوم من عملية (سطو و محو ممنهجة) و نظراً لقصور أدواتنا الترويجية و تفريطنا التاريخي في حماية حقوق الملكية الفكرية ، شهدنا موجة واسعة من إعادة إنتاج الأغاني و المدائح السودانية – التي تعد من أثرى و أعمق النصوص – بواسطة فرق عربية و تحديداً من الأشقاء في شمال الوادي و نسبها لغير أهلها أو تمييع هويتها الأصلية دون أي إشارة للمصدر السوداني الذي نبعت منه هذه العبقرية اللحنية و الشعرية .

خارطة طريق لإيقاف نزيف الهوية .. ما العمل؟

إن الوقوف أمام هذا الخراب المعرفي بذهنية (الندب و المشاهدة) هو إستسلام للجريمة و تمرير لأهدافها .. إن تحريك هذه البركة الساكنة يتطلب الإنتقال الفوري من مرحلة رصد الخسائر إلى مرحلة (المقاومة الثقافية الإستراتيجية) و ذلك عبر الخطوات الآتية :

تدشين “المقاومة الرقمية للوثائق و الكتب” .. إنشاء منصات سحابية وطنية عاجلة لجمع و رفع كل ما يملكه المواطنون و الباحثون من نسخ رقمية للوثائق و الكتب النادرة و التسجيلات الإذاعية و التلفزيونية المفقودة لإعادة بناء أرشيف موازٍ يحفظ ما يمكن إنقاذه من محرقة المكتبات الخاصة .

عولمة الجريمة عبر اليونسكو .. يجب على المجموعات الحقوقية و الأكاديمية السودانية في الخارج رفع ملفات موثقة و مطالبة “اليونسكو” و المنظمات الدولية بتصنيف ما قامت به ميليشيا الدعم السريع كـ (جرائم حرب ضد التراث الإنساني) و ملاحقة القطع الأثرية السودانية في المزادات العالمية .

تأسيس “صندوق حماية الملكية الفكرية للنص السوداني” .. بالتعاون مع قانونيين و موسيقيين و شعراء سودانيين ، لحصر الأغاني و المدائح و المؤلفات التي جرى السطو عليها و مخاطبة المنصات الرقمية العالمية لحفظ الحق الأدبي و المادي التليد للمبدع السوداني .

أخيرا.. إن تدمير بنية العلم و الثقافة و الفنون و المكتبات في السودان ليس هامشاً من هوامش الحرب بل هو قلبها النابض بالشر .. فالبيوت يمكن أن تُبنى و لكن إذا مُحيت ذاكرة الأمة و تاريخها و فنها و تحولت عقولها و مكتباتها إلى رماد ، نصبح مجرد حشد من البشر بلا أصل و لا ملامح .. إنها دعوة لجميع المفكرين و صناع الوعي للإلتفات إلى هذا الثغر النازف و صب النقد الحاد على النخب و المؤسسات الرسمية التي ما زالت تتعامل مع (محرقة الوعي) كخسائر جانبية ، بينما هي – في حقيقة الأمر – الحرب كلها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى