مقالات

بين منع إفلات الجناة واستقلال القضاء

جدل التعديلات الجديدة للإجراءات الجنائية!

بين منع إفلات الجناة واستقلال القضاء: جدل التعديلات الجديدة للإجراءات الجنائية

رضا حسين حلواني المحامي

تلبيةً لنداء الأستاذ الدكتور عمر كابو بفتح نقاش قانوني ومجتمعي حول التعديلات الجديدة على قانون الإجراءات الجنائية السوداني، يبرز تعديل المادة 38 باعتباره واحداً من أكثر التعديلات أهمية وإثارةً للجدل، لما يحمله من آثار مباشرة على مفهوم التقادم الجنائي وملاحقة الجرائم التي يتم اكتشافها بعد سنوات من وقوعها.

مقارنة بين النص القديم والجديد للمادة 38 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني

شهدت المادة 38 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 تعديلاً مهماً أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية والسياسية، وذلك لما يترتب عليه من آثار مباشرة تتعلق بسقوط الدعوى الجنائية بالتقادم، خاصة في جرائم الفساد والجرائم التي لا يتم اكتشافها فور وقوعها.

النص القديم للمادة 38

كان النص القديم للمادة 38 يقوم على مبدأ أن مدة التقادم تبدأ من تاريخ وقوع الجريمة. وقد نصت المادة على أنه لا يجوز فتح الدعوى الجنائية في الجرائم التعزيرية إذا انقضت مدة معينة من الزمن تبدأ من تاريخ ارتكاب الفعل الجنائي، وحددت مدد التقادم كالآتي:

عشر سنوات للجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو السجن لمدة عشر سنوات فأكثر.

خمس سنوات للجرائم المعاقب عليها بالسجن لأكثر من سنة.

سنتان في الجرائم الأخرى.

كما نصت المادة على أن مدة التقادم تنقطع بمجرد فتح الدعوى الجنائية.

هذا النص كان يهدف إلى تحقيق الاستقرار القانوني ومنع بقاء الدعاوى الجنائية مفتوحة إلى أجل غير محدود، إلا أنه واجه انتقادات بسبب صعوبة تطبيقه على الجرائم التي تُكتشف بعد سنوات طويلة من وقوعها.

بين منع إفلات الجناة واستقلال القضاء

التعديل الجديد للمادة 38

جاء التعديل الجديد ليُحدث تغييراً جوهرياً في فلسفة التقادم الجنائي، حيث أصبح حساب مدة التقادم يبدأ من تاريخ العلم بالجريمة بدلاً من تاريخ وقوعها.

ويُعد هذا التعديل تحولاً مهماً، لأنه يربط التقادم بوقت اكتشاف الجريمة لا بوقت ارتكابها، وهو ما يمنح السلطات المختصة فرصة أكبر لملاحقة الجرائم المخفية أو المعقدة.

كما أضاف التعديل استثناءات لبعض الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، ومن أبرزها:

جرائم الحرب،

الجرائم الواقعة على المال العام،

بعض جرائم الإرهاب،

بعض الجرائم المعلوماتية،

والجرائم ذات الطبيعة المستمرة.

ويهدف هذا التعديل كذلك إلى محاربة الجرائم ذات الطابع الموجَّه ضد الوطن والمواطن، ومنع إفلات الجناة من العقاب بسبب مرور الزمن أو تأخر اكتشاف الجريمة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وما صاحبها من جرائم معقدة يصعب اكتشافها أو الوصول إلى مرتكبيها في وقت قصير.

الفرق بين النصين

يكمن الفرق الأساسي بين النص القديم والجديد في نقطة بداية حساب مدة التقادم. ففي النص القديم كانت المدة تبدأ من تاريخ وقوع الجريمة، مما كان يسمح أحياناً بسقوط الدعوى حتى قبل اكتشاف الجريمة نفسها. أما بعد التعديل، فقد أصبحت المدة تبدأ من تاريخ العلم بالجريمة، وهو ما يوسع من نطاق المساءلة الجنائية ويحد من فرص الإفلات من العقاب.

فعلى سبيل المثال، إذا وقعت جريمة اختلاس أو فساد مالي في عام 2015 ولم يتم اكتشافها إلا في عام 2025، فإن النص القديم كان قد يسمح بسقوط الدعوى بالتقادم، بينما يتيح النص الجديد فتح الدعوى لأن حساب المدة يبدأ من وقت اكتشاف الجريمة.

أهمية التعديل

تنبع أهمية هذا التعديل من طبيعة الجرائم الحديثة، خاصة جرائم الفساد والجرائم الاقتصادية وجرائم الحرب، وهي جرائم غالباً ما تكون معقدة وتحتاج إلى وقت طويل لاكتشافها وجمع الأدلة المتعلقة بها.

ويرى المؤيدون للتعديل أنه يمثل خطوة مهمة لتعزيز العدالة ومكافحة الفساد وحماية الدولة والمجتمع، ومنع إفلات الجناة من العقاب بسبب مرور الزمن. بينما يرى بعض المعارضين أن التوسع في مدد التقادم قد يفتح الباب لإحياء نزاعات قديمة ويؤثر على الاستقرار القانوني.

اخر القول

يمكن القول إن تعديل المادة 38 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني يعكس توجهاً تشريعياً جديداً يهدف إلى توسيع نطاق المحاسبة الجنائية، خاصة في الجرائم الخطيرة والمخفية والجرائم الموجَّهة ضد الوطن والمواطن. وبينما يسعى التعديل إلى تحقيق العدالة ومنع سقوط الجرائم بالتقادم قبل اكتشافها، يبقى نجاحه مرتبطاً بكيفية تطبيقه عملياً ومدى تحقيقه للتوازن بين حق المجتمع في العقاب وحق الأفراد في الاستقرار القانوني.

ومن أبرز النقاط المثيرة للجدل مسألة منح النائب العام أو النيابة العامة سلطة وقف الدعوى الجنائية. فحتى النص القديم الذي كان يمنح النائب العام حق إيقاف الدعوى الجنائية بقرار إداري، يرى كثير من القانونيين أنه نص غير دستوري ويتعارض مع مبادئ العدالة والحياد، لأنه يسمح للسلطة التنفيذية أو العدلية بالتدخل في اختصاص أصيل للمحكمة.

ويستند هذا الرأي إلى أن الفصل في الدعوى الجنائية يجب أن يكون حقاً حصرياً للقضاء وحده، باعتباره الجهة المحايدة التي تملك سلطة تقييم الأدلة وإصدار الأحكام. أما منح النيابة سلطة إيقاف الدعوى، فقد يفتح الباب للتأثير على سير العدالة، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي أو القضايا المتعلقة بالنفوذ والسلطة.

كما أن هذا الاتجاه يرى أن العدالة لا تتحقق فقط بملاحقة الجرائم وعدم سقوطها بالتقادم، وإنما أيضاً بضمان استقلال القضاء وعدم إخضاعه لأي تدخل من النيابة أو السلطة التنفيذية، لأن أي مساس باستقلال القضاء يضعف ثقة المواطنين في العدالة وسيادة حكم القانون.

وبالتالي، فإن الاعتراض على هذه التعديلات لا يعني رفض مكافحة الجرائم أو حماية الوطن والمواطن، وإنما التأكيد على أن تحقيق العدالة يجب أن يتم عبر قضاء مستقل ومحايد، لا عبر توسيع سلطات النيابة بصورة قد تؤثر على التوازن الدستوري بين السلطات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى