
الخرطوم _ زحل نيوز
ينطلق اليوم بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماع الخماسية لإطلاق مسار سياسي وسط ضغوط دولية لإنهاء الحرب . غير أن العاصمة الإثيوبية لا تستضيف حواراً بقدر ما تستضيف شروخاً عميقة تحاصر الحل قبل أن يبدأ و المفارقة الكبرى هنا أن العجز لا يكمن في غياب الرغبة في التوافق بل في (بنية التشظي) الثلاثية التي تضرب الألية المشرفة و القوى السياسية و الحركات المسلحة على حد سواء ، حيث يتحرك الجميع بدافع التوجس و التنافس على شرعية تمثيل قادمة .
الخلل التأسيسي يبدأ من الألية الخماسية نفسها ، فخلف لافتة الوساطة الموحدة تختفي محاور متنافرة في الرؤية و المنطلق .. إذ يتحرك الإتحاد الأوروبي ببوصلة مبدئية صارمة تميل لشروط التحول المدني و أقصاء الإسلاميين و في المقابل يطغى على خط الجامعة العربية هاجس إستقرار مؤسسات الدولة و الإعتراف بشرعية مؤسسات الدولة و في مقدمتها الجيش .
بينما يراوح الإتحاد الأفريقي و الإيقاد في منطقة رمادية تحت ضغط التوفيق بين مبدأ (الشمولية) القائم على عدم إقصاء أي طرف سوداني من العملية السياسية و بناء حوار لا يستثني أحداً لتجنب تجدد الصراع و بين مبدأ عزل واجهات النظام السابق الذي يضغط عليه الإتحاد الأوروبي .. هذا التباين البنيوي جعل الخماسية عاجزة عن فرض صيغة موحدة فتحولت دعوتها إلى محاولة لتطييب خواطر المحاور عبر إغراق سياسي للمنبر .
هذا التصدع الدولي و الإقليمي يتقاطع مع تشظٍّ أكثر حدة داخل المشهد السوداني فحتى الجبهة المناهضة للحرب كما يجرى التعريف بها و بما فيها كتلة (تأسيس) تعيش حالة تآكل داخلي و تباين أيديولوجي حاد .. فبينما تواجه بعض مكوناتها اتهامات بالتماهي السياسي مع ميليشيا الدعم السريع تتمسك أحزاب كالبعث و الشيوعي بمواقف جذرية ترفض أي تسوية تعيد إنتاج الشراكة مع العسكر ، في حين يميل حزبا الأمة و المؤتمر السوداني إلى براغماتية تبحث عن حد أدنى لوقف الحرب مما خلق جفوة ثقة عميقة داخل الحلف الواحد ..
و يزداد المشهد تعقيداً بالإنقسام الرأسي للحركات المسلحة التي تخلت عن الحياد لتتحالف مع السلطة الشرعية ممثلة في الجيش (كحركتي مناوي و جبريل) تأميناً لمكاسب إتفاق جوبا بالتزامن مع تفريخ كثيف لكيانات و لافتات هلامية تتنافس جميعها على حجز مقعد في ليل التسوية طمعاً في محاصصة كيكة السلطة المنتظرة .
إن أثر هذا التشظي المركب يُبطل مفعول مسار أديس أبابا و يحيله إلى حلقة مفرغة ، فطالما ذهبت الأطراف و عينها على إقصاء الأخر و تأمين المكاسب الذاتية لن تنتج الخماسية سوى إعلان مبادئ فضفاض يؤجل الأزمة و لا يحلها و لتظل أسئلة اليوم التالي للحرب بلا إجابات و تستمر ليلة السودان الطويلة بلا فجر يلوح في الأفق .. و في تقديري أن كل هذا التعقيد سببه الإتحاد الأوروبي و أجندته التي يخفيها عن الجميع و تعمل عليها المنظمة النرويجية CMI ذات الخبرة الطويلة في هتك سيادة الدول ..








