
الخرطوم _ زحل نيوز
ليس نهاية الحرب نهاية الحكاية بل بداية الامتحان الأصعب فعندما يصمت الرصاص وتغادر أصوات المدافع وتبدأ المدن في تضميد جراحها يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أسئلة الميدان من يحفظ ذاكرة الوطن؟.
الحروب لا تترك أنقاضا فقط بل تترك أسماء ووجوها ووصايا ودموعا ومواقف صنعتها لحظات استثنائية وإذا لم تجد من يوثقها ويحفظها فإنها تصبح مع الزمن عرضة للنسيان أو للتشويه أو لأن تروى بأقلام لم تعش تفاصيلها.
لقد كانت معركة ١الكرامة محطة فارقة في تاريخ السودان الحديث ليس لأنها كانت مواجهة عسكرية فحسب بل لأنها كشفت عن معدن شعب بأكمله ففي ميادينها حضر الجندي والطبيب والمتطوع والإعلامي ورب الأسرة وكل من حمل مسؤوليته في زمن لم تكن فيه الحياة تسير على عادتها.
ولهذا فإن التوثيق ليس عملا إعلاميا عابرا ولا نشاطا ثقافيا موسميا وإنما واجب وطني فالأمم لا تحفظ تاريخها بالمصادفة بل تبنيه بالوعي وتصونه بالمؤسسات وتحميه بالوثيقة والصورة والشهادة الأمينة.
وأخطر ما بعد الحروب ليس حجم الدمار وإنما ضياع الرواية الوطنية فالفراغ لا يبقى فراغا وإذا غابت الحقيقة حضرت روايات أخرى قد تعيد تشكيل الوقائع بما يخدم أصحابها لا بما يخدم التاريخ.
لهذا فإن كل وثيقة تحفظ وكل صورة تؤرشف وكل شهادة تسجل ليس مجرد مادة للأرشيف بل لبنة في بناء الذاكرة الوطنية وضمانة لحق الأجيال القادمة في أن تعرف ماذا جرى وكيف جرى ومن دفع ثمن بقاء هذا الوطن.
ولعل أجمل ما في هذه المهمة أنها لم تعد مسؤولية جهة واحدة بل أصبحت واجبا تتقاسمه الدولة والإعلام والمؤسسات والمجتمع وكل من يدرك أن التاريخ لا يكتب بعد عقود وإنما يكتب في لحظته قبل أن تعبث به الذاكرة أو تطاله يد النسيان.
وفي هذا السياق يظل كل جهد يبذل لتوثيق معركة الكرامة جديرا بالتقدير لأنه يسهم في حفظ ذاكرة وطن ويمنح الأجيال القادمة حقها في معرفة الحقيقة كما كانت لا كما قد يرويها الآخرون كما يستحق فريق العمل الذي تبنى هذه الفكرة والإدارة العامة للثقافة والإعلام والسياحة بمحلية شرق النيل التقدير على إيمانهم بأن حماية الذاكرة الوطنية لا تقل أهمية عن حماية الأرض نفسها.
قد تختلف الأجيال في قراءة الأحداث وقد تتباين وجهات النظر لكن الوثيقة الصادقة تبقى أقوى من الروايات والشهادة الأمينة أطول عمرا من الضجيج وما نكتبه اليوم ليس استدعاء للماضي بل استثمار في المستقبل حتى يعرف الأبناء كيف صمد وطنهم وكيف كتب رجاله ونساؤه صفحات ستظل شاهدة على مرحلة لن ينصفها النسيان.
الحقيقة كما هي…
الأوطان لا تفقد تاريخها يوم تخسر معركة وإنما يوم تهمل توثيقها وما يكتبه الأمناء اليوم سيصبح غدا ذاكرة أمة وما يترك بلا توثيق ستتنازعه الروايات حتى تضيع الحقيقة بين التأويلات لذلك فإن حماية الذاكرة ليس ترفا ثقافيا بل خط الدفاع الأخير عن الوطن فربما تنتهي المعارك لكن معركة الحقيقة لا يجوز أن تنتهي أبدا.








