
إيران تعلن النصر وتطلب المفاوضات، هل يفعلها السودان؟
تحليل مقال وزير الخارجية الإيراني البروفيسور جواد ظريف
المقال الذي كتبه وزير الخارجية الإيراني البروفيسور جواد ظريف بعنوان (صفقة يمكن أن تقبل بها ايران) يمثل محاولة لإنهاء الحرب عبر التفاوض. و الترويج أولا بأن إيران انتصرت و أن التفاوض ليس تنازلا، بل قطف لثمار النصر.

يقدم د. ظريف الصمود الإيراني عبر عدة أوجه متعددة، ككرت رابح تجني به ايران مكاسب سياسية محسوبة بدقة. ومع ذلك يقول صحيح أن إيران لم تهزم لكنها ليست في وضع مريح. يجمع في مبادرته بين ترويج النصر و الاعتراف بخسائر الحرب و التعبير عن عدم الرغبة او عدم القدرة على الاستمرار فيها.
احتواء الغضب الشعبي
يعترف د. ظريف صراحة بوجود غضب شعبي واسع ضد المفاوضات بسبب الإحساس العالي بالظلم. رفع الشعب شعارات قوية مثل (لا استسلام ولا مساومة). لذلك فانه يحاول احتواء الغضب الشعبي أو ترويضه أو ردم الفجوة بينه و بين دعوته للمفاوضات. يدعو الى تعظيم المكاسب و تقليل الخسائر، عبر التفاوض بحسابات ومعادلة معقدة. يريد بذلك أن تنجو القيادة من تهمة التراجع. طرفي معادلة د. ظريف هما إعلان النصر، و قبول التفاوض.
التفاوض من منطلق قوة لا ضعف
صاغ د. ظريف مبادرته بلغة تظهر إيران كطرف قوي و منتصر من خلال تأكيده على أن:
1/ إيران صمدت
2/ لم يسقط نظامها
3/ ما زالت قادرة على الرد
4/ فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق اهدافهما وانهما عالقتان في مستنقع.
5/ صلابة البرنامج النووي و استحالة تدميره بالقصف.
6/ قدرة ايران على التأثير في التجارة العالمية عبر مضيق هرمز.
7/ تمتع القيادة الايرانية بشرعية شعبية تمنحها الصمود.
لكن رغم هذه اللغة القوية، إلا أن المبادرة تتضمن تنازلات عميقة في البرنامج النووي قبل أن تبدء المفاوضات نفسها، ومن طرف واحد، حيث يطرح:
خفض مستوى التخصيب
قبول رقابة دولية
نقل المواد النووية
هذه التناولات ليست محانية و انما مقابل رفع شامل للعقوبات.
بالأضافة الى ذلك تبرع د. ظريف بالكشف عن نقاط ضعف جوهرية في الموقف الإيراني:
1/ الاعتراف بتأثير العقوبات و المطالبة برفعها.
2/ فشل ايران في استخدام السلاح النووي كقوة ردع و حماية. (كأنه صار عبئ)
3/ الخوف الإيراني من التصعيد والحديث عن خطر توسع الحرب أو بدء غزو بري .
4/ حاجة ايران لضمانات خارجية يكشف عن ضعفها في فرض اتفاق ثنائي مباشر، كطرف منتصر.
5/ القبول برقابة دولية واسعة قد يفسر كتنازل يمس السيادة الوطنية.
بهذه الإشارات يرسل د. ظريف رسالتين. الأولى داخلية تؤكد على تحقيق النصر العسكري و تحويله إلى مكاسب سياسية.
أما الثانية خارجية، يقدم فيها اعتراف ضمني بأن الضغط العسكري نجح في دفع إيران نحو التفاوض و خوفها من استمرار الحرب.
أي ان الهدف الأساسي من مبادرة ظريف هو تثبيت الوضع الراهن كما هو عليه مخافة أن يتدهور أكثر. و الترويج لمكاسب محدودة من أجل تجنب خسائر أكبر تنتج عن استمرار الحرب أكثر.
إسقاط مبادرة ظريف على موقف الحكومة السودانية
و الان لنسأل السؤال المهم الاتي: هل يمكن إسقاط منطق وحجج د. ظريف على الحالة السودانية؟ أي إعادة صياغة خطاب الحكومة السودانية بإعلان النصر و الموافقة على التفاوض من موقع قوة و بشروط المنتصر. وهي كالاتي:
1/ تأكيد انتصار الدولة بصمودها، وعدم سقوطها و استعادتها لمدنها و تحريرها و التفاف الشعب حولها و عودة ملايين النازحين الى مناطق سيطرتها و تمتعها بالشرعية.
2/ فشل الدعم السريع في تحقيق أهدافه التي أعلنها، و تحوله الى منظمة ارهابية تمارس الجرائم و مدانة عالميا و فقدت أي مشروعية و لن يكون لها أي دور في تشكيل مستقبل السودان.
3/ إدانة الجناح السياسي المدني للمليشيا و تحميله المسؤولية عن جرائمها و تقديم قادتها الى محاكم عادلة.
4/ تغيير خطاب الحكومة بالتأكيد المستمر على استعدادها للتفاوض بشروطها وعدم رغبتها في استمرار الحرب لأنها تمثل مزيدا من الاستنزاف لكل السودان.
5/ الترويج المستمر لمبادرة الحكومية المدنية و رؤيتها للحل و لكيفية بناء مستقبل السودان. ليس من أجل تقاسم السلطة مع المليشيا أو منحها أي شرعية ولكنه ترتيب وطني لإنهاء التمرد واستعادة الدولة.
رغم جاذبية نموذج ظريف في تحويل الصمود إلى نصر ثم استخدامه كمدخل للتفاوض. إلا أن إسقاطه على الحالة السودانية مفيد جزئيا. فالصراع في السودان ليس مواجهة مع عدو خارجي فقط. ولكنه عدو خارجي و داخلي معا. و ان الرفض الشعبي لأي خطاب تفاوضي هنا أكبر من الحالة الإيرانية. مخافة أن يمنح التفاوص، للمليشيا شرعية غير مستحقة و يحولها من منظمة إرهابية الى شريك سياسي.
إلا أن الفائدة الجزئية من تجربة ظريف تكمن في فن إدارة الخطاب السياسي واحتواء كل من الغضب الشعبي و الضغوط الخارجية. السودان لا يحتاج إلى إعلان نصر لتبرير التفاوض، لكنه يحتاج إلى صياغة رؤية وطنية تنهي التمرد دون أن تفرط في شرعية الدولة. هذه الرؤية الوطنية عبرت عنها بكل وضوح مبادرة الحكومة المدنية. إلا أنها غائبة تماما عن الاعلام الرسمي و الشعبي. مما يظهر خطاب الدولة و كأنه خطاب حرب.
التحدي ليس في تبني خطاب التفاوض من موقع قوة، بل في تعريف موقع القوة نفسه. هل هو عسكرية يقودها الجيش الوطني، أم سياسية تعبر عنها الحكومة المدنية أم حاضنة شعبية تخضع لها الدولة.








