مقالات

من يستحق التغيير ..رئيس الوزراء أم الوزراء؟!

من يستحق التغيير ..رئيس الوزراء أم الوزراء؟!

الصفر البارد

عزيزي القارئ الكريم… إذا لم تقرأ هذا المقال تحديدا ، فأنصحك أن لا تقرأ عمود الصفر البارد مرة أخرى في حياتك و إلى الأبد ابتعد عنه. وإليك المقال التالي :-

في المشهد السياسي والإداري لأي دولة، تبرز بين الحين والآخر ظاهرة التعديلات الوزارية التي تُقدَّم للرأي العام على أنها “علاج” للخلل أو “انتعاشة” للأداء الحكومي ومحاربة للفساد! غير أن المتأمل في مثل هذه التغييرات، خصوصًا حين تحدث في فترة أقل من سنة أو أشهر في أي حكومة في العالم، يجد نفسه أمام سؤال جوهري، وهو: من هو المستحق الحقيقي للتغيير؟ أهو الوزير الذي يُقال إنه قصَّر أو فشل، أم رئيس الوزراء الذي اختاره أصلًا وردم البلاد بالفشل؟

⁸ ولأني رجل متخصص في البحث والتطوير لأكثر من 35 عامًا عالميًا و محليًا فإني أطرح السؤال المنطقي التالي على القارئ الكريم، حيث إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح هو: من هو الفاشل الحقيقي من بين الأسماء الثلاثة التالية، وهم:-

1- الوزير او المسؤول الفاشل الذي يتم تغييره.

2- أم هو رئيس الوزراء الفاشل الذي اختار الوزراء الفاشلين .

3- أم هو الشعب الفاشل الذي يقع عليه نتائج الفشل (وزيتو طالع) ويرتضي بتنصيب الفاشلين عليه في إدارة شؤون دوله وهم بدون انجاز لصالح الشعب ! !؟

دائمًا يظن الجمهور بأن مسؤولية الفشل تقع على عاتق الوزراء أو المسؤول الأدنى الذي فشل في تحقيق إنجازات لصالح الشعب؛ فهم الواجهة التنفيذية المباشرة أمام الشعب، وهم من يتعرضون للمساءلة الإعلامية والشعبية أولًا. لكن الحقيقة الأعمق تكمن في أن الوزير أو المسؤول الفاشل لا يأتي من فراغ، إنه يأتي بناءً على (عبقرية الفشل المتأئن ) وخبرة اختيار رئيس الوزراء لهم، وهو امتداد لرؤيته ومعيار لكفاءته الفاشلة في تقييم الرجال قبل التعيين في المناصب الإدارية !

فعندما نرى حكومة تعاني من تباطؤ في الإنجاز، أو تضارب في القرارات، أو فسادًا إداريًا، فإن السؤال المنطقي ليس “من الوزير الفاشل أو المسؤول المباشر؟” بل “من الذي وضع هذا الفاشل في موقعه؟” فإن الفاشل لا يأتيه إلا من هو أفشل منه! وهذا منطق إداري قديم لا يحتاج إلى عبقرية حتى يكشف!

وبناءً على هذا المنطق، إذاً لا تحدثني عن طفل في عائلة قد فشل، ولكن حدّثني عن مَن أنجب هذا الطفل ومَن قام بتربية هذا الطفل على أن يكون فاشلًا، بكل تأكيد هو أبٌ أو أمٌ فاشلة! وقديمًا قال الشاعر:-

وينشأ ناشئُ الفتيان منا  على ما كان عوّده أبوهُ

إذاً نصل إلى أمر حتمي: إن تغيير الوزراء أو المسؤولين في المناصب ذاتها، أو في وزارات متعددة خلال فترة زمنية قصيرة، يحمل دلالة خطيرة لا يمكن تجاهلها: إنه يعكس فشلًا مؤسسيًا في اختيار القيادات العليا التي تختار الكفاءة أو الفشل في المواقع التنفيذية. فإذا كان رئيس الوزراء يمتلك القدرة على انتقاء فريق عمل متجانس وقادر.

فلماذا يضطر إلى تبديل أعضائه باستمرار؟ وإذا كان هو نفسه من يضع معايير الاختيار، فلماذا تفشل هذه المعايير مرارًا وتكرارًا؟ الإجابة المنطقية هي أن الخلل ليس في الأفراد الذين يتم إقالتهم فحسب، بل فيمن اختارهم وأشرف على أدائهم (فهو الفاشل الحقيقي ومربط الفرس في الفشل).

من يستحق التغيير ..رئيس الوزراء أم الوزراء؟!

عندما يغيّر رئيس الوزراء وزيرًا بعد وزير، وكأنه يمرّر رسالة ضمنية بأنه “يطهر” الحكومة من المقصرين، فإنه في الحقيقة يمارس لعبة تحميل الآخرين تبعات فشل قيادته ومستويات مفهومه الفاشل للاختيار. فالمسؤولية الأولى والأخيرة عن أداء أي حكومة تقع على عاتق من شُكِّلت بإرادته وتحت إشرافه.

فلو كان رئيس الوزراء يمتلك بصيرة ثاقبة في اختيار الرجال، لما احتاج إلى إعادة ترتيب أوراق فريقه بهذه السرعة والزمن القصير! ولو كان يمارس رقابة حقيقية على أداء وزرائه، لما تفاقمت الإخفاقات إلى درجة تستدعي التبديل العلني الذي يهز استقرار المؤسسات.

إن تغيير الوزراء أو المسؤولين في المواقع الإدارية الأدنى ليس دليلًا على القوة أو الجدية في التصحيح، بل هو في كثير من الأحيان دليل على ضعف التخطيط المسبق وهشاشة معايير الاختيار. فالحكومات المستقرة والناجحة لا تحتاج إلى تبديل وزرائها كل بضعة أشهر؛ لأنها تختار بعناية، وتضع آليات للمتابعة والمحاسبة المستمرة، بل المحاسبة اليومية والشهرية للإنجازات والفشل دون الحاجة إلى التضحية بكادر وزاري أمام الرأي العام.

أما الحكومات التي تعاني من حالة استبدال مزمنة، فهي تعترف ضمنيًا بأن رجلها الأول فشل في مهمته الأساسية وهي ( انتقاء الفريق القادر على الإنجاز لصالح الشعب) ، وعليه أن يكون منصفًا للشعب ويقدم استقالته قبل أن يطالب الشعب بإعفائه لعدم الكفاءة.

بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى أثر سلبي آخر لا يرى إلا لمن لهم خبرات عالية، فإن التغيرات المتتالية في الإدارات الوزارية أو التنفيذية تهزم فكرة استقرار السياسات العامة للدولة، وتهزم النزاهة العامة في إدارة الشأن العام للشعب، وتسبب إخفاقًا وفسادًا في إهدار الأموال بدون إنجازات.

فالوزير الذي يعلم أن ولايته قد لا تزيد على أشهر لن يجرؤ على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، بل سيسعى بسرعة لصناعة أكبر مكسب لنفسه (مكسب مالي + اجتماعي + تجاري)، ولن يستطيع بناء فريق عمل متجانس أو متابعة مشاريع طويلة الأمد. وهذا يعني أن التغيير المستمر لا يعالج الخلل بل يكرسه، ويحوّل الوزارات إلى ما يشبه محطات عبور للمصالح الشخصية المستعجلة للكسب الشخصي، بدلًا من أن تكون للدولة مؤسساتها الدائمة البناء، لصالح الشعب وليس للمصالح الشخصية!

أمام هذا الواقع، يظل السؤال الأخلاقي والسياسي مطروحًا: لماذا لا يخضع رئيس الوزراء نفسه للمساءلة بنفس المعيار الذي يطبق به على وزرائه؟ فإذا كانت فكرة “التغيير” تعني تصحيح المسار، فإن ترك رأس الهرم الإداري بمنأى عن المحاسبة مع استمرار تغيير من هم دونه هو نوع من التهرب من المسؤولية ومحاولة لتحميل الفشل على من هم أدنى منه، بينما الفاشل الحقيقي هو من اختار الفاشلين في كل مناحي الحياة، هذه هي القاعدة في أصل الفشل.

آخر المداد-:-

أن التغيير الوزاري المتكرر لا يمكن أن يكون حلًا جذريًا طالما أن من يقرره ويشرف عليه هو نفسه من أظهر قصورًا في الاختيار والتقييم. فالمؤشر الحقيقي لفشل الحكومة ليس فقط في أداء الوزراء، بل في استمرار رئيس الوزراء دون مراجعة للاداء او عدم محاسبة رغم تعدد أخطائه في بناء فريقه.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة آليات اختيار القيادات، ومحاسبة من يتولى مسؤولية هذه الاختيارات، لا الاكتفاء بتغيير وجوه عابرة في مشهد متكرر لا يغير من الجوهر شيئًا. فإذا أردنا تغييرًا حقيقيًا، فعلينا أن نوجه السؤال إلى من يستحق: رئيس الوزراء الذي يفترض فيه أن يكون العقل المدبر، ام الوزراء والمسؤولين الذين هم مجرد أداة في يد من اختارهم.

إن استمرار رئيس الوزراء في منصبه رغم تعدد التعديلات الوزارية يشبه بقاء قائد سفينة يغير أفراد الطاقم كل يوم بينما السفينة ذاتها ما زالت تسير في الاتجاه الخاطئ وهي في انتظار الغرق.

والسؤال الأخير :- لماذا لا تعين الحكومة لجنة للمرقبة والمحاسبة ويكون لها حق تفتيش كل المؤسسات والوزارات الحكومية وحتى لها الحق التحقيق من الوزراء والمسؤولين بحثا عن الفساد والفشل وترفع التقارير للجهات العدلية مباشرا لاتخاذ التصرف القانوني المطلوب من اجل انهاء مأسي الفساد والفشل ! ! ؟ ؟.

فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى