برلمان القراء

الإمارات تترنّح..قراءة تحليلية في تغريدة أنور قرقاش

وليد محمد المبارك

الخرطوم _ زحل نيوز

لقد حذّرنا مراراً من الرهان على الخيول الخاسرة، ونبّهنا القاصي والداني – ممن ظنّوا أننا هامشيون أو عابرون في هذه الحياة – أنّ صمتنا ليس ضعفاً. نحن قومٌ مسالمون حين تُحترم الكرامة، لكننا عند الشدائد ننهض كما ينهض الجبابرة، فنحن رمات الحدق إذا اضطرنا الموقف… ولعلّ من لم يستوعب ذلك آنفاً يدركه الآن.

في مساء الثاني عشر من نوفمبر 2025، نشر المستشار الدبلوماسي لشيطان العرب رئيس دولة الإمارات، الدعي أنور قرقاش، تغريدة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى موعظة أخلاقية. غير أنّ التحليل الدقيق لبنية النص، ولغته، وتوقيته، وسياقه الإقليمي.

يكشف أنّ التغريدة ليست مجرد “حكمة شعرية”، بل صرخة إحباط سياسي تعبّر عن ارتباك استراتيجي في السياسة الخارجية الإماراتية، وعن اهتزاز في الثقة بعدما ان دخلت الإمارات في سلسلة أزمات إقليمية أفرزت نتائج معاكسة لما كانت ترسمه.

تغريدة قرقاش جاءت في لحظة تتصاعد فيها الضغوط على الإمارات بسبب سياساتها في السودان، وليبيا، واليمن، والبحر الأحمر، إضافة إلى الضجة الدولية المتزايدة حول دورها في تمويل وتسليح جهات مسلّحة أثرت على الأمن الإقليمي. ولذلك، فإن التغريدة تحمل أكثر مما يبدو على سطحها.

أولاً: بنية الخطاب… نبرة دفاعية تخفي جرحاً سياسياً

يقول قرقاش:

“الأزمات مدرسة كبرى… تميّز بين الصدق والمصلحة، وتعري الأقوال لتظهر النوايا، وتكشف المواقف والوفاء من الادعاء.”

هذه الجملة هي نصا يكتبه شخص يتلقى الطعنات لا شخصاً يمسك زمام المبادرة. لغة “تعري”، “تكشف”، “تميّز”، “الادعاء” كلها كلمات تشير إلى خيبة و شكوك و إحساس بالغدر والهوان.

سياسي بمستوى قرقاش لا يكتب هذا النوع من النصوص إلا عندما يشعر بأن الأرض تهتز تحت أقدامه أو تحت أقدام بلده.

الأزمات – في خطابه – لم تعد ساحات تُدار فيها الملفات بكفاءة، بل أصبحت امتحاناً قاسياً يفضح التحالفات ويكشف هشاشة القرارات.

ثانياً: الاستشهاد بالشعر… حيلة من يلجأ إلى الحكمة حين تضيق السياسة

اختار قرقاش بيتاً واضح المغزى:

“جَزَى الله الشدائدَ كُلَّ خيرٍ

وإنْ كانت تُغَصْغِصُني بريقِي

وما شُكري لها إلا لأني

عرفتُ بها عدوي من صديقي.”

اختيار هذا البيت ليس بريئاً:

هو بيتُ رجلٍ اكتشف أنّ من حوله لم يكونوا أصدقاء حقيقيين كما يريد ويرغب.

حين يستشهد سياسي رفيع بهذا البيت، فهو يلمّح إلى أنّ الإمارات تعرّضت للخذلان من من كانت تعتبرهم حلفائها، أو أنّ مشاريعها الإقليمية كشفت لها حقيقة من يقف معها ومن يتربص بها.

هذا الاستشهاد يُقال عادة عندما يخسر اللاعب السياسي إحدى جولات النفوذ، أو عندما يجد نفسه محاصراً باتهامات أو ضغوط أو فشل في مشروع خارجي.

ثالثاً: ما الذي يجعل الإمارات “تترنّح”؟

1. السودان… الحصان الجامع الذي تعثّر ثم نهض من كبوته.

الإمارات استثمرت مالياً وعسكرياً وسياسياً في مشروع “الدعم السريع”، وقدّمت له غطاءً إعلامياً واسعاً.

لكن الانهيار الميداني والسياسي لهذا المشروع، وكشف شبكات التمويل، والمراجعات الدولية، كلها أدت إلى ضربة موجعة.

تغريدة قرقاش تتناغم تماماً مع وضع من يشعر أن رهانه قد انقلب عليه.

2. البحر الأحمر… خطوط النفوذ تتقلص

محاولات أبوظبي لبناء نفوذ على الشواطئ الغربية للبحر الأحمر – من اليمن حتى السودان والصومال – واجهت مقاومة إقليمية ودولية، وانكشفت أهدافها للطرفين العربي والأفريقي.

3. ليبيا… انسحاب مضطر

بعد سنوات من دعم أطراف معينة، تواجه الإمارات اليوم واقعاً جديداً يفرض عليها التراجع وإعادة التموضع.

4. تراجع الثقة الدولية

ملفات الاتهام المتعلقة بتهريب السلاح، والتدخلات في نظام العقوبات، والضغط على مسارات السلام، خلقت عزلة تدريجية تفسر نبرة “من صديقي؟ ومن عدوي؟”.

رابعاً: لماذا كتب أنور قرقاش هذا الخطاب الآن؟

لأن الإحباط أصبح علنياً. ولأن الإمارات – التي تعودت تقديم نفسها باعتبارها لاعباً حاسماً وقوياً – وجدت نفسها في موقف دفاعي، تحاول تبرير أخطائها أو على الأقل تغليفها بالحكمة الأخلاقية.

التغريدة ليست موجّهة للشعب الإماراتي فقط، بل هي رسالة للخارج تقول:

“نحن لم نخطئ… نحن فقط اكتشفنا حقيقة الآخرين.”

لكن قراءة الواقع تشير إلى العكس:

الأزمات لم تكشف نوايا الآخرين فقط، بل كشفت هشاشة حسابات أبوظبي في ملفات حساسة، وعلى رأسها السودان.

خامساً: بين السطور… الإمارات تكشف خوفها من المستقبل

لاحظ أن النص يخلو من أي محاولة للحديث عن “نجاح” أو “إنجاز”.

هو نص نفسي بامتياز:

– دفاع عن الذات

– تبرير القرارات

– اتهام مبطن للآخرين

اعتراف غير مباشر بأن النتائج ليست كما خُطِط لها

وفي السياسة، هذا يسمى لحظة التراجع الاضطراري.

الخلاصة: درس قاسٍ تتلقاه أبوظبي

تغريدة قرقاش هي علامة ارتباك واضحة، وهي تؤكد أن الإمارات تمرّ بلحظة توتر استراتيجي بعد سلسلة ملفات لم تسر كما أرادت.

ولذلك يبدو أن الإمارات – رغم مواردها الضخمة – تترنّح تحت ضغط الأزمات التي صنعتها بنفسها، وتبحث اليوم عن “تأويل أدبي” لتفسير خساراتها.

إنها لحظة نادرة يظهر فيها المسؤول الإماراتي بقدر من الانفعال والانكشاف، وهي لحظة تستحق التوقف، لأنها تفتح الباب لمرحلة جديدة في فهم طبيعة السياسة الإماراتية، وتوازناتها، ومستقبلها في المنطقة.

خاتمة :

لقد ظنّ البعض أنّ الشعب السوداني مجرّد ظلّ عابر في جغرافيا قاسية، وأن إرادته يمكن أن تُكسر بمالٍ مُهرَّق أو إعلامٍ مضلِّل. لكننا في لحظات المحكّ نذكّر الخصوم بمقال قائلهم:

“ونشربُ إنْ ورَدْنا الماءَ صفوًا

ويشربُ غيرُنا كدرًا وطينًا”

نحن قومٌ لا نرضى الضيم، ولا نقبل أن يُملى علينا مستقبل بلادنا من غرف زجاجية في مدنٍ بعيدة. فإذا حاولت دولةٌ أن تفرض علينا مشيئتها أو أن تشتري ولاءاتٍ على حساب دمائنا، فانا نجسد هذا المقال:

“ألا لا يجهلنَّ أحدٌ علينا

فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينَا”

هذا هو المزاج السوداني حين يُستفز: هدوءٌ ما دام الاحترام قائمًا، وصمودٌ حين تُهدَّد الكرامة، وغضبةٌ لا تُبقي ولا تذر حين يتوهّم الآخرون أن لهم علينا وصاية أو نفوذًا.

ولعلّ تغريدة أنور قرقاش الأخيرة — بما حملته من نبرة انكسار — تشي بأن من راهنوا على إضعاف السودان بدأوا يشعرون بأن الأرض تهتز تحت أقدامهم… وأنّ السودان، رغم كل الجراح، لا يزال عصيًّا على التدجين والاختراق.

وليد محمد المبارك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى