
حين يرسم القرآن خريطة المجتمع!!
في زحام الحياة، حيث تتشابك العلاقات وتضطرب الموازين، تأتي بعض الآيات لا لتُتلى فحسب، بل لتكون خريطة… خريطة تُعلِّمنا كيف نعيش، وكيف نكون بشرًا كما أراد لنا الله.
يقول الله تعالى في سورة النساء الآية ٣٦ :
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾
كأن هذه الآية لا تخاطب الأذن فقط، بل تبني في داخل الإنسان ميزانًا خفيًا، يزن به علاقاته كلها.
تبدأ الحكاية من السماء:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
كأنها تقول: إذا اختل هذا الأصل، اختل كل شيء بعده. فالتوحيد ليس عقيدة تُحفظ، بل ميزان يُقاس به سلوك الإنسان في الأرض.
ثم تنزل الآية إلى الأرض… إلى البيت أولًا:
الوالدان… حيث تبدأ الرحلة، وحيث يكون الامتحان الحقيقي للوفاء.
ثم تمتد إلى ذوي القربى… ذلك النسيج الذي إن تمزق، ضاع الإنسان في زحام الوحدة.
ولا تنسى الآية أولئك الذين سقطوا من حسابات الناس:
يتيمٌ فقد السند،
ومسكينٌ أنهكه العجز،
فتعيد إدخالهم في معادلة الرحمة، كأنها تقول: لا يكتمل مجتمع يترك ضعفاءه على الهامش.
ثم تتسع الدائرة أكثر… الجار القريب، ثم الجار البعيد،
الجار القريب هو من يجمع بين الجوار الجغرافي والرحم… أما البعيد هو من غير ذوى الأرحام حتى إن لم يكن مسلماً….
وكأن القرآن يعلّمنا أن الجوار ليس جغرافيا فحسب، بل أخلاق تُختبر كل يوم.
ويمضي النص في دهشةٍ عميقة…
الصاحب بالجنب… رفيق الطريق، أو شريك اللحظة، أو إنسانٌ عابر مرَّ بك،ويدخل هنا في مقام الصحبة حتى الزوج أو الزوجة…
وابن السبيل… ذلك الذي تقطعت به السبل،
وحتى من هم تحت يدك…
كلهم داخل هذه الخريطة، لا يُستثنى منهم أحد.
إنها ليست قائمة علاقات…
إنها إعادة تعريف للإنسان:
أن تكون إنسانًا، يعني أن ترى الآخرين… كل الآخرين.
لكن الآية، وهي ترسم هذا الجمال، لا تنسى أن تحذر من العدو الخفي:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾
فالكِبر… ذلك المرض الصامت… قادر أن يهدم كل هذا البناء،
لأن المتكبر لا يرى إلا نفسه،
ومن لا يرى الناس… لا يمكن أن يحسن إليهم.
هكذا، في آية واحدة،
يرسم القرآن مجتمعًا بلا منسيين، بلا هوامش، بلا قلوب مكسورة في الظل.
مجتمع يبدأ من سجدة،
ويمتد إلى ابتسامة،
وينتهي بتواضع… هو سر النجاة كله.









