
التجارة العالمية تبحث عن طريق بديل… والسودان قد يكون الحل!
في عالم تتحكم فيه الجغرافيا بمصير التجارة، تعود الموانئ لتصبح أحد أهم أدوات القوة الاقتصادية للدول. ومع تصاعد التوترات في الخليج العربي واحتمالات تأثر الملاحة في مضيق هرمز، بل وحتى مضيق باب المندب، بدأت خريطة التجارة العالمية تبحث عن بدائل آمنة وأكثر استقرارًا. وفي قلب هذه التحولات تبرز الموانئ السودانية على البحر الأحمر كفرصة استراتيجية قد تعيد رسم دور السودان في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
فقد أشار تقرير نشره موقع Sudan Tribune إلى أن السودان بدأ يختبر جاهزية موانئه لاحتمال استقبال حركة تجارية إضافية في حال تعطل بعض المسارات البحرية التقليدية. وهذا التطور ليس تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر على أن السودان يقف أمام فرصة تاريخية ليصبح جزءًا مؤثرًا في منظومة سلاسل الإمداد العالمية.
يمتلك السودان واحدًا من أهم المواقع الجغرافية على البحر الأحمر، حيث يمتد ساحله لمسافة تتراوح بين 730 و800 كيلومتر، وهو موقع يمنحه القدرة على أن يكون بوابة لوجستية رئيسية للتجارة بين آسيا وأفريقيا. ولا يقتصر هذا الدور على خدمة الاقتصاد السوداني فحسب، بل يمكن أن يمتد ليشمل دولًا أفريقية غير مطلة على البحر مثل تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان، وهي أسواق ضخمة تبحث باستمرار عن منافذ بحرية أكثر كفاءة واستقرارًا.
كما أن التحولات الجارية في المنطقة تؤكد هذا الاتجاه؛ فقد بدأت المملكة العربية السعودية بالفعل في نقل جزء من صادراتها النفطية من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لتجنب المرور عبر مضيق هرمز، إضافة إلى تعزيز الخدمات اللوجستية في ميناء جدة. وهذه الخطوات تعكس بوضوح أن البحر الأحمر أصبح محورًا متناميًا في حركة التجارة والطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، يظل ميناء بورتسودان القلب النابض للتجارة السودانية، حيث تمر عبره غالبية الصادرات والواردات. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن قيمة الصادرات عبره تبلغ نحو 4 مليارات دولار سنويًا، بينما تصل الواردات إلى حوالي 7.5 مليارات دولار. كما تضم المنظومة المينائية السودانية مرافق مهمة مثل الميناء الجنوبي للحاويات والميناء الشمالي للبضائع العامة، إضافة إلى ميناء بشائر المتخصص في تصدير النفط.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع القوة الاقتصادية. فالتجارة العالمية اليوم تعتمد على ما يعرف بالموانئ المحورية (Hub Ports) القادرة على استقبال سفن الحاويات العملاقة التي تتجاوز حمولتها 12 ألف حاوية نمطية (TEU)، قبل إعادة توزيعها إلى موانئ أخرى عبر عمليات المسافنة (Transshipment).
وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير البنية التحتية للموانئ السودانية. فالأعماق الحالية للأرصفة في ميناء بورتسودان لا تزال أقل من متطلبات السفن العملاقة التي تحتاج إلى أعماق تتجاوز 18 مترًا، وهو ما يستدعي تنفيذ عمليات تعميق للأحواض البحرية وتحديثًا شاملًا لمعدات مناولة الحاويات والرافعات الحديثة.
غير أن كفاءة الموانئ لا تقاس بالأرصفة وحدها، بل بسرعة الإجراءات اللوجستية، وكفاءة التخليص الجمركي، وقدرة الميناء على الارتباط بشبكات النقل الداخلية من سكك حديدية وطرق برية. ولذلك فإن تطوير الممرات اللوجستية التي تربط بورتسودان بوسط السودان وغربه، وكذلك بالدول المجاورة، يمكن أن يحول الميناء إلى مركز إقليمي للتجارة والنقل.
لقد تراوحت حركة الحاويات في الموانئ السودانية خلال السنوات الماضية بين 450 ألف و500 ألف حاوية نمطية سنويًا، وهي أرقام تعكس حجم التجارة السودانية التقليدية. لكن الطموح الحقيقي يجب أن يتجاوز هذا الرقم بكثير عبر جذب تجارة الترانزيت الإقليمية وتحويل السودان إلى منصة لوجستية تخدم المنطقة بأكملها.
صحيح أن التحديات الاقتصادية والسياسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الأخيرة أثرت على حركة التجارة، إلا أن الأزمات الكبرى كثيرًا ما تخلق فرصًا كبرى. واليوم يقف السودان أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يمكن أن يتحول فيها موقعه الجغرافي إلى قوة اقتصادية حقيقية.
إن مستقبل الموانئ السودانية لن تحدده الجغرافيا وحدها، بل الإرادة الاستراتيجية للاستثمار في البنية التحتية، وتحديث الإدارة، وخلق بيئة استثمارية جاذبة للشركات العالمية.
ففي عالم سلاسل الإمداد الحديثة، لم تعد الموانئ مجرد أرصفة للسفن…
بل أصبحت مراكز قوة اقتصادية.
وفي هذا العالم، لا يكفي أن تكون على الطريق التجاري…
بل يجب أن تصبح محطة لا يمكن للعالم تجاوزها.
د.خالد سيد أحمد عوض الطريم – أستاذ اللوجستيات وسلاسل الإمداد








