الديون .. الخطر الذي يهدد إستقرار الأسر

الديون .. الخطر الذي يهدد استقرار الاسر
ظلت ربة المنزل (وهيبة) نتفاكر وتتشاور مع عدد من جاراتها في الحي العريق بمدينة ام درمان في أمر الديون الذي تراكم عليهن وعلى ازواجهن في ظل ازمة اقتصادية طاحنة خلفتها الحرب التي مازالت مشتعلة في غرب السودان بعد ان تركت اثارا كبيرة في العاصمة المثلثة، ما لدى الى ضغوط كبيرة على الاسر في مأكلها ومشربها وملبسها وعلاجها .
حيث اصبح الغلاء في كل الاسواق مع انعدام (الأموال) في ايدي الاسر التي فقدت مصدر دخلها فكان (الدين) من التجار وأصحاب المحلات بالاحياء هو الحل، أو كأن يستلف احداهن أو احدهم من الجار أو القريب لامر ضروري كالمرض مثلا .
ولكن عندما تطول المدة يطالبون يحقهم من المستدين الذي قد لا يجد مايحل به دينه فتشتعل الخلافات وتكبر الهموم والتفكير في حل هذه الازمة التي توثر على كل أفراد الاسرة في كافة النواحي.بل ان هناك اسرا تفرقت بحدوث الانفصال بين الزوجين بسبب الخلافات حول المعيشة .
غياب التوازن:
اتفق عدد من المواطنين والمختصين على أنَّ تصاعد أعباء الديون الشخصية لا ينعكس فقط على صرف الاسرة بل يترك اثارا نفسية واجتماعية عميقة، قد تبدأ بالقلق وتنتهي بانهيار استقرار الأسرة وفقدان الثقة بالنفس. وأكدوا أنَّ غياب التوازن وضعف الوعي المالي، وتضييق فرص التسوية، عوامل تُفاقم أزمة المدين وتستدعي مُراجعة عاجلة لحسابات وصرف الاسرة .
ترتيب الاولويات:
وقال (احمد) الموظف بإحدى المؤسسات الحكوميةأنَّه مرَّ بتجربة صعبة مع الديون أثرت على حياته النفسية والاجتماعية، مشيرا إلى أنَّ الديون ليست مجرد التزامات مالية؛ بل شعور ثقيل يلازم الإنسان صباحًا ومساءً، ويقيّد قراراته اليومية.
وقال إنِّه وضع خطة بسيطة لإعادة ترتيب التزاماته، وبدأ بسداد ديونه تدريجيًا حسب الأولويات، مع الحرص على الحفاظ على توازنه النفسي ,مؤكدا أن التجربة رغم أنها كانت مريرة إلا أنها منحته وعياً أعمق بأهمية الإدارة المالية والرضا بما يمتلك، بعيدًا عن الانسياق وراء الضغوط الاجتماعية.
تعقيد السداد:
وقالت الباحثة في شئون الاسرة عفاف علي إنَّ من أبرز الأخطاء المالية التي يقع فيها الأفراد، والتي تؤدي إلى تراكم ديون يصعب سدادها، لتغطية نفقات استهلاكية ضرورية في المنزل هي عدم التخطيط الصرف في ظل ظروف مالية صعبة.
وقال أنَّ غياب التخطيط المالي يُعد من أبرز الأسباب؛ كما إن الأشخاص الذين يمتلكون خطة مالية واضحة للدخل والمصروفات قلة قليلة فيستدينون دون تفكير، ما يؤدي إلى تراكم الأعباء عليهم ويجعل عملية المتابعة والسداد أكثر تعقيدًا.
إضطرابات جسدية:
وعن العلاقة بين الدَّين والصحة النفسية، ذكرت الباحثة عفاف أنَّ العديد من الدراسات الحديثة تُؤكد وجود ارتباط مباشر بين تراكم الديون وتدهور الصحة النفسية، موضحة أنَّ أبرز هذه التأثيرات تشمل انخفاض تقدير الذات، والشعور بالذنب والخجل، والقلق المزمن؛
بل قد تصل إلى اضطرابات جسدية مثل الصداع ومشاكل النوم والقلب والهضم، كما أنَّ الضغوط المالية تؤدي كذلك إلى توتر العلاقات الزوجية والعائلية، وقد تُؤثر على الأداء المهني والاجتماعي، وأنَّ تخفيف أعباء الديون يُسهم في تحسين القدرات المعرفية واتخاذ القرارات بشكل أفضل.
المظاهر الاجتماعية:
وعن أسباب الاستدانة، قال الخبير الاقتصادي طارق النور إنها متعددة ولا يمكن حصرها في عامل واحد، لافتًا إلى أن بعضها يعود إلى ظروف طارئة خارجة عن الإرادة، مثل المرض أو فقدان مصدر الدخل، بينما يرتبط البعض الآخر بضعف الوعي المالي، والخلط بين الرغبة والحاجة، أو الانجراف خلف الضغوط والمظاهر الاجتماعية،
كما أنَّ العروض التسويقية والتسهيلات تُغري كثيرين دون أن يخططوا لكيفية السداد أو لتأثيرها على المدى البعيد ، وانتقد النظرة المجتمعية السائدة تجاه من يعانون من الديون، مشيرًا إلى أنَّ المجتمع غالبًا ما يصدر أحكامًا قاسية على المدين، ويتعامل معه كمن أخطأ أو تهوّر دون محاولة لفهم أسبابه، منوهاً إلى أن هذه النظرة تزيد من العبء النفسي وتدفع البعض إلى الانعزال واخلهروب من الواقع.
غير مسئول:
وتقول الاستاذة (جواهر) ربة منزل أنَّ كثيرًا من الناس ينظرون للمدين كأنَّه فاشل أو متهور أو غير مسؤول، مؤكدًة أنَّ هذه النظرة تُضاعف من العبء النفسي وتزيد من العزلة، رغم أن الدين في أحيان كثيرة ليس خيارًا بل ضرورة قاسية فرضتها الحياة. وفيما يتعلق بالقرارات المالية التي سيتجنبها، وقالت بالعكس العديد من المدينين لا يتهربون من السداد، وإنما تعترضهم صعوبات مالية طارئة، كالإصابة بمرض أو فقدان مصدر الدخل، مما يجعلهم غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم.








