مقالات

حين يشتدّ البلاء… ينهض الصابرون!

كتب _ محمد مختار ود مختار

حين يشتدّ البلاء… ينهض الصابرون!

تتكسّر فيها الأمواج على صخور الحياة، ويضطرب فيها الأفق كأنما انطفأت شمس الرجاء، تبقى هناك حقيقة واحدة لا يطولها غبارُ الفتن ولا تُقهر أمام العواصف: أنّ الصبر هو سلاح الأرواح التي تعلّمت أن تمشي نحو الله بثباتٍ مهما ضاقت الطرق.

حين تنزل المصائب، لا تنزل خفيفة، بل تهبط كجبالٍ تعصر القلوب وتختبر مدى ثباتها. تتشقق الوجدان حيرة، وتضطرب النفوس سؤالًا، وتتكاثر حول الروح ظلالُ الضعف. لكن في قلب هذا الليل الموحش، يسطع نورٌ واحد لا يخفت:

﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾

وقفة وجودية تُعيد ترتيب الإنسان من الداخل، وتُرجع القلب إلى مركزه الأصيل… إلى الله.

إنها الكلمة التي تُطفئ حرائق الألم، وتسكب على الجراح بردًا وسلامًا. الكلمة التي تجعل المصيبة مهما عظمت جسرٍ يعبر عليه المؤمن نحو رحابة الفهم وعمق الإيمان.

في زمنٍ تتصارع فيه الأحداث، وتتسارع فيه الابتلاءات، يصبح الصبر فضيلة، عمودًا ترتكز عليه الأرواح حتى لا تنكسر. الصبر ليس صمتًا مستسلمًا، بل وقفة عزّ، ورفع رأس، وإيمانٌ بأن ما عند الله أعظم مما يُسلب منا في الدنيا.

تخيل المؤمن وهو يقف وسط العاصفة، الريح تُهاجمه من كل الجهات، الدخان يعلو في الأفق، والأصوات تختلط بين خوفٍ ورجاء، لكنّ قلبه ثابت… كجبلٍ لم تهزّه الرياح عبر القرون. هو لا يثبت لأنه قويّ بذاته، بل لأنه متصلٌ بمصدر القوة الذي لا يضعف: بربّه.ا

لصابرون هم أولئك الذين لم يسمحوا للأوجاع أن تُطفئ نور الطريق. الذين، رغم حرقة الفقد، ينهضون مرةً بعد مرة، يحملون جراحهم كأوسمةٍ على صدورهم. يعرفون أن الألم جزءٌ من مسيرة الخلود، وأن الرجوع إلى الله ليس نهاية، بل موعد لقاءٍ أسمى.

حين يشتدّ البلاء… ينهض الصابرون!

وحين يبشرهم الله في الآية بقوله “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”، فإن البشرى وعدٌ إلهيّ بأن وراء الحزن نورًا، ووراء الدمع رحمة، ووراء الشدة فتحًا قريبًا.

إنها بشرى لمن لم يغيّرهم البلاء، ولم يبعثر صلابَتهم الزمن، ولم يطفئ يقينهم ما رأوه من تقلّبات الدنيا.

يا من تمرّ بمحنة…

يا من تحمل في صدرك ما لا يراه الناس…

اعلم أنّ الله أقرب إليك مما تظن، وأن لحظات ضعفك ليس هزيمة، هي مواضع سجودٍ خفيّة ترفع مقامك عند ربك.

اصبر، لا صبرَ المرهق المستسلم، بل صبر الواثق الذي يرى خلف السحاب مطرًا، وخلف الفوضى حكمة، وخلف كل ما أُخذ منه عطيةً أعظم ينتظر موعدها.

فالدنيا دار راحة، ولكنها دار امتحان. والامتحان لا يكون إلا لمن يستحق أن يرتفع. ولذلك، حين يشتد البلاء، تذكّر أنك في عين الرحمة، وأن الله يراك ويعلم، وأن كل خطوة صبر هي خطوة نور تُكتب لك في ميزانٍ لا يضيع عند رب كريم.

هؤلاء هم الصابرون… الذين إذا ضربتهم المصيبة لم يقولوا إلا ما يريده الله:

(إنا لله وإنا إليه راجعون).

قالوها يقينًا، لا عادة. قالوها ثباتًا، لا اضطرابًا. قالوها لأنهم أدركوا أن كل طريق يبدأ به وينتهي إليه.

فكن منهم…

فإن نور الصابرين لا ينطفئ، وعزيمتهم لا تنحني، وقلوبهم لا تُهزم لأنها مُعلقة برب لا يُهزم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى