برلمان القراء

معاً لصناعة البديل.. عن الحوار السوداني السوداني 

أسامة ميرغني

معاً لصناعة البديل.. عن الحوار السوداني السوداني

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط نظام الفريق إبراهيم عبود في ثورة أكتوبر 1964م تراجعاً واضحاً في قدرتها على مواكبة تطورات المشهد السوداني، ما كشف ضعفاً في أنظمة جمع المعلومات لديها.

فقد اعتمدت واشنطن لسنوات طويلة على البيانات التي توفرها الدول الغربية—خاصة بريطانيا وفرنسا وبلجيكا—باعتبارها دولاً استعمرت أجزاء واسعة من أفريقيا وتمتلك معرفة أعمق بتركيب المجتمعات الأفريقية. كما اعتمدت على شبكات شركات الطاقة متعددة الجنسيات، التي تملك مصالح مباشرة في أسواق النفط، وتراقب بدقة حركة أسعار العملات وأسواق الطاقة العالمية.

ومع إلغاء نظام معيار الذهب وربط الدولار الأمريكي به عام 1971م، والانتقال إلى نظام تحديد القيمة عبر “سعر الصرف العائم”، بدأت الولايات المتحدة في تنفيذ خطوات متوازية لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

معاً لصناعة البديل.. عن الحوار السوداني السوداني 

فقد فتحت واشنطن أبواب أكبر سوق استهلاكية في العالم أمام الصين، ودعمت تحوّلها من اقتصاد يعتمد على الاستهلاك الداخلي إلى اقتصاد يرتكز على التصدير. هذا التحوّل أدى إلى إضعاف الهيمنة التجارية الأوروبية التي استمرت قرابة قرنين.

وبينما ظلت بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا تعتمد على التجارة الخارجية كأداة للسيطرة الاقتصادية، لم تتجاوز صادرات الولايات المتحدة 4% من ناتجها المحلي الإجمالي. لكنها عوضت ذلك ببناء منظومة خدمات مالية عالمية تعتمد عليها أغلب اقتصادات العالم.

وفي هذا السياق العالمي ظهرت الصناديق السيادية الاستثمارية كآلية تمويل تعتمد على التجارة أكثر من الاستثمار الحقيقي. وفي السودان، أنشأ الرئيس جعفر نميري ما عُرف بـ”المؤسسة العسكرية الاقتصادية”، إلى جانب شركات حكومية مثل شركة البحر الأحمر وشركة كردفان التابعة لوزارة التجارة.

غير أن دورة رأس المال العام في السودان تعرضت لانفصال خطير. فالدورة الاقتصادية، التي تقوم على حركة المال من الإنتاج إلى السوق ثم إلى الدولة، انقطعت في أكثر من حلقة، ما أدى إلى آثار كارثية على الاقتصاد الكلي. بدلاً من أن تسهم تلك المؤسسات في دعم الناتج القومي، أصبحت عبئاً على الموازنة العامة، وشاركت في تشويه الهيكل الاقتصادي للدولة.

الأخطر من ذلك كان انهيار النظامين المالي والمحاسبي. فحين يصبح “البائع حكومة، والمشتري حكومة”، تغيب القدرة على حساب الأرباح والخسائر، وتضيع الإيرادات الحقيقية. ونتيجة لذلك، فقدت الدولة السودانية موارد قدرت بأضعاف الناتج المحلي نفسه، وتعطلت قطاعات إنتاجية واسعة.

وفي الريف، تضخمت تكاليف رأس المال العامل في الزراعة والثروة الحيوانية، ما أدى إلى خروج عدد كبير من المنتجين من دائرة النشاط الاقتصادي. فهاجروا إلى المدن، وانتشرت أنشطة اقتصادية غير منتجة ساهمت في إضعاف الاقتصاد الوطني.

لكن الأزمة الأكبر كانت اختلاط المال العام بالمال الحكومي، حتى أصبح إصلاح الوضع القائم مهمة تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة وشجاعة.

نواصل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى