إقتصاد

الفيضان ونقص المياه ليس من السد

الأكاذيب المصرية وضرورة الرواية الوطنية السودانية

الفيضان ونقص المياه ليس من السد، الأكاذيب المصرية وضرورة الرواية الوطنية السودانية:

إسماعيل ع. مضوي

شهد السودان في الأسبوع الأخير فيضانات واسعة النطاق، لتعود إلى الواجهة رواية مصرية قديمة–جديدة تحمل سد النهضة الإثيوبي مسؤولية الكارثة. الإعلام المصري تحدث عن “فتح بوابات السد” وكأنها السبب المباشر للفيضان، متجاهلاً الحقائق الهيدرولوجية والطبيعية.

هذه الرواية ليست سوى استمرار لسياسة التضليل والفهلوة الإعلامية التي تستهدف السيطرة على خطاب النيل، في ظل غياب موقف سوداني رسمي وأكاديمي واضح

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو استمرار التضليل والتسطيح والكذب المفضوح في الرواية المصرية التي رافقت الفيضانات الأخيرة في السودان. فقد سارعت وسائل الإعلام المصرية إلى تحميل سد النهضة الإثيوبي المسؤولية المباشرة عن الفيضان، مدعية أن السبب هو “فتح بوابات السد”.

الفيضان ونقص المياه ليس من السد، الأكاذيب المصرية وضرورة الرواية الوطنية السودانية:

هذه الرواية ليست سوى نسخة مكررة من الأسطوانة المشروخة التي ترددها القاهرة منذ عقود. وهي في جوهرها ليست مجرد خطأ إعلامي، بل سياسة مقصودة تقوم على “الفهلوة” وتزييف الوعي، هدفها تكريس الهيمنة المصرية على خطاب النيل وتقييد خيارات السودان ودول المنبع الأخرى.

يهدف هذا المقال إلى فك طلاسم العلاقة بين الفيضانات الأخيرة في السودان والخطاب المصاحب لها، إذ لم تكن هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يُزَج فيها باسم إثيوبيا وسد النهضة كمتهم مباشر، سواء عند ارتفاع المناسيب أو انخفاضها في فترات سابقة. فقد دأب الخطاب المصري على تحميل المسؤولية لإثيوبيا، متجاهلاً الحقائق العلمية والهيدرولوجية.

يكشف المقال أن هذه السردية ليست اجتهاداً إعلامياً عابراً، بل امتداد لخطاب قديم يسعى إلى تكريس صورة السودان كدولة “مصب” تابعة لمصر في ملف مياه النيل. ويرتكز التحليل على ثلاثة أبعاد مترابطة.

وعندما تتكرر في كل أزمة متصلة بمياه النيل محاولة القاهرة تحميل المسؤولية إلى الخارج – وبالأخص إلى سد النهضة الإثيوبي. ومع الفيضانات الأخيرة في السودان، عادت الرواية المصرية بقوة لتزعم أن السبب المباشر هو “فتح بوابات السد”. هذه الرواية، رغم هشاشتها العلمية، وجدت طريقها إلى الميديا الإقليمية والدولية، مستفيدة من غياب رواية سودانية رسمية مضادة.

يطرح هذا المقال سؤالين محوريين: كيف تُستخدم الكوارث الطبيعية لتغذية سردية الهيمنة المصرية؟ ولماذا يغيب الصوت السوداني في القضايا التي تمس سيادته ومصالحه المائية؟

وتتمثل الإشكالية في هيمنة خطاب خارجي (مصري) على تفسير ظواهر طبيعية (فيضانات السودان) وغياب خطاب وطني بديل.

هذه الهيمنة ليست تقنية فحسب، بل ذات بعد سياسي وقانوني، حيث يتم إقحام السودان في معادلة “دولة المصب” بما يحجّم خياراته التنموية ويقوّض استقلالية قراره المائي.

التحليل

اولاً: الطبيعة الهيدرولوجية للفيضانات:

الفيضانات الأخيرة لم تقتصر على النيل الأزرق، بل شملت النيل الأبيض أيضاً. ومن المعروف علمياً أن النيل الأبيض لا علاقة له بسد النهضة. هذا التفصيل الهيدرولوجي يفضح مباشرة هشاشة الادعاء المصري.

ثانياً: الدور الفني لسد النهضة:

من وظائف السد تقليل شدة الفيضانات عبر تخزين المياه وتمريرها تدريجياً. وعليه، فإن القول بأن “فتح البوابات” هو سبب الفيضان يعكس منطقاً مقلوباً يتناقض مع وظيفة السدود.

اي ان الدور الحقيقي لسد النهضة من الناحية الهيدرولوجية، وظيفة السد هي تقليل حدة الفيضانات عبر حجز كميات كبيرة من المياه وتمريرها بشكل متدرج. وبالتالي، الزعم بأن فتح البوابات هو السبب المباشر للفيضان يعكس منطقاً معكوساً يتجاهل طبيعة عمل السدود اي

ثالثاً: الأمطار كمصدر رئيسي:

تشير بيانات الهيدرولوجيا إلى أن الأمطار الغزيرة التي هطلت في أعالي النيل (إثيوبيا، أوغندا، كينيا، جنوب السودان، والسودان نفسه) كانت السبب المباشر في الفيضانات. تجاهل هذا العامل العلمي لحساب “شيطنة السد” يفضح الخلفيات السياسية للرواية المصرية.

رابعاً: غياب الصوت السوداني:

غياب رواية سودانية رسمية وفنية جعل الإعلام المصري يملأ الفراغ.، رغم أن الأسباب الفنية كانت طبيعية بحتة.

ولم يأتِ هذا التطاول من فراغ، وإنما وجد أرضية خصبة في الصمت المطبق للمسؤولين السودانيين، سواء من السياسيين أو الفنيين أو حتى الأكاديميين المتخصصين. فمنذ سنوات طويلة، تُركت الساحة الإعلامية والدبلوماسية مفتوحة أمام الرواية المصرية دون أن تجد رواية سودانية رسمية مضادة.

أذكر على سبيل المثال حادثة عام 2020، عندما شهدت محطات المياه في ولاية الخرطوم (محطة الفتيحاب – الصالحة، ومحطة طيبة الحسناب على النيل الأبيض) نقصاً كبيراً في مياه الشرب. حينها صرّح مدير هيئة المياه، أنور السادات الحاج، بأن السبب هو “انحسار مياه الأنهر الثلاثة” مما اضطر السلطات لخفض منصات الضخ. لكن الإعلام المصري استغل الحادثة لتصويرها كأثر مباشر لبدء ملء سد النهضة، في حين أن الأسباب الفنية كانت مرتبطة بدورات طبيعية في مناسيب النيل

خامساً: سردية “دولتا المصب”:

منذ عقود تسعى القاهرة إلى تكريس فكرة أن مصر والسودان “جبهة واحدة” في مواجهة دول المنبع. عملياً، السودان ليس دولة مصب بل دولة محور/معبر، حيث يلتقي النيلان قبل أن يواصل النهر مساره شمالاً.

سادساً: أثر السردية على المؤسسات الدولية:

مع تكرار الرواية المصرية وغياب البديل السوداني، ترسخت هذه المفاهيم حتى في مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، ما أضعف الموقف التفاوضي السوداني.

الهيمنة الخطابية وأثرها الدولي

فالهدف من هذه الرواية المصرية ليس مجرد كسب نقاط إعلامية آنية، بل هو استمرار لسياسة قديمة تسعى إلى:

• تصوير السودان كدولة “مصب” تشترك كلياً مع مصر في مصالحها المائية.

• تبرير الاعتراض على مشروعات السدود والتنمية في دول المنبع بحجة “الإضرار بدولتي المصب”.

• تعزيز صورة مصر كصاحبة الحق الأصيل في مياه النيل، مقابل تهميش صوت السودان وبقية دول الحوض.

هذه السياسة، مع تكرارها وغياب الخطاب السوداني البديل، رسخت مفاهيم مغلوطة حتى في المؤسسات الدولية (البنك الدولي، وكالات الأمم المتحدة، مراكز البحوث العالمية) حيث بات يُنظر إلى السودان كامتداد طبيعي لمصر في ملف النيل.

سابعاً: الأبعاد القانونية:

وفق القانون الدولي للمجاري المائية، فإن حقوق وواجبات الدول المشاطئة تقوم على مبادئ أساسية:

• الاستخدام المنصف والمعقول.

• عدم الإضرار الجسيم بالغير.

• التعاون وتبادل البيانات.

لكن مصر ما زالت متمسكة باتفاقيات ثنائية قديمة (1929، 1959) تتجاهل هذه المبادئ الحديثة وتقصي دول المنبع كلياً. الأخطر هو إقحام السودان قسراً في هذه المعادلة باعتباره “شريكاً في المصب”، مما يحرم الخرطوم من فرص تطوير بنيتها المائية وفق احتياجاتها الوطنية

ثامناً: أثر الرواية على السودان:

إلحاق السودان قسراً بمعسكر “المصب” يقلل من فرصه في تطوير مشروعات مائية كبرى، ويجعله تابعاً لمصالح القاهرة بدلاً من أن يكون لاعباً مستقلاً.

تاسعاً: الحاجة إلى خطاب وطني مستقل

فصل الرواية السودانية عن المصرية ضرورة استراتيجية، لأنه:

• يحمي استقلالية القرار السوداني،

• يعزز الموقف التفاوضي مع دول المنبع،

• يتيح للسودان لعب دور “الوسيط” بدلاً من “الملحق”.

لماذا ضرورة الرواية السودانية المستقلة؟

• لأن الاستمرار في الصمت يمنح شرعية ضمنية للتضليل المصري.

• لأن غياب الصوت السوداني يضعف قدرته التفاوضية مع دول المنبع والمصب معاً.

• لأن السودان، جغرافياً وهيدرولوجياً، هو دولة “محور” تربط بين المنبع والمصب، وليست مجرد تابع لمصر

عاشراً: نحو عدالة مائية إقليمية:

رواية سودانية مستقلة، تستند إلى العلم والقانون، يمكن أن تضع السودان في موقع “دولة المحور” التي تربط المنبع بالمصب، ما يفتح الباب لتكامل إقليمي قائم على العدالة المائية لا على الهيمنة التاريخية.

خاتمة: إنّ مواجهة التضليل المصري لا تتحقق بالانفعال العاطفي، وإنما بتبني خطاب سوداني علمي، فني، وقانوني متماسك، يقدَّم للعالم عبر الأكاديميين والخبراء والمؤسسات الرسمية. فالسودان بحاجة إلى “رواية وطنية مستقلة” تُبرز موقعه الحقيقي في حوض النيل وتدافع عن مصالحه المائية والتنموية بعيداً عن هيمنة السردية المصرية.

إنّ الفيضان الأخير ليس سوى جرس إنذار جديد بأن غياب الصوت السوداني سيبقى ثغرة تستغلها القاهرة لمصالحها، بينما يُدفع الثمن من حاضر ومستقبل السودان.

في الختام ان الفيضانات الأخيرة ليست مجرد حدث طبيعي، بل اختبار لخطاب الدول وموقعها في قضايا النيل. إنّ هيمنة السردية المصرية، وغياب الرواية السودانية، يمثلان خطراً على السيادة الوطنية والمصالح المستقبلية.

توصيات علينا العمل بها::

1. بناء خطاب سوداني فني وقانوني يقدَّم عبر خبراء وأكاديميين.

2. تعزيز التعاون مع دول المنبع في مواجهة الخطاب الإقصائي المصري.

3. إعادة تعريف موقع السودان كدولة محور لا دولة مصب.

4. إدماج الملف المائي ضمن أولويات السياسة الخارجية السودانية.

وفي تقديري بهذا، يصبح الرد على التضليل المصري ليس في الميدان الإعلامي فقط، بل في ساحة القانون الدولي والسياسات

المائية، حيث تُصاغ حقوق الشعوب وتُحدد موازين القوى.

ولقد كشفت الفيضانات الأخيرة، وقبلها أزمة نقص المياه في محطات التحلية على النيل الأبيض، زيف الرواية المصرية وأظهرت السودان عالقاً بين التضليل الإعلامي المصري وغياب روايته الوطنية المستقلة. وحتى لا يظل ملف النيل رهينة لسياسة “الفهلوة” المصرية، يصبح من الضروري أن يتولى السودان إدارة .ملفه المائي بصوته هو، وبما يخدم مصالحه الوطنية .الخالصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى