
الخرطوم _ زحل نيوز
المجلس السعودي السوداني للتعاون والتنسيق الاستراتيجي
عودة قوية للوعي العربي و للمشاريع المشتركة ..
التحالفات الأقليمية والدولية و القضايا الاقتصادية و الغذاء والطاقة أهم ملفات المجلس ..
المجلس يقترب بالسودان ومصر الي إعلان مكة مع تركيا والباكستان ..
د. خالد حسن لقمان
.. المجلس السعودي السوداني الأعلي للتعاون والتنسيق الاستراتيجي .. لا أدري تحديداً من صاحب هذه الفكرة أو من هذا الذي قام بإحياء هذه الفكرة من بين أفكار تاريخية مماثلة مضت و لم تجد للأسف حظها من الاهتمام والتنفيذ ربما لأوضاع سياسية لم تكن مواتية علي القدر الكافي في حينها بالرغم من كل هتافات النائب التاريخي للشرق الراحل هاشم بامكار ( فاكهة البرلمان السوداني بذكائه و لطفه و محبة السودانيين جميعهم له ) و الذي ظل يبشر بعلاقات سودانية – سعودية تجعل من الشرق و ثغره بورتسودان ذو صلة وثيقه بأرض الحرمين الشريفين .
ونسب له في ذلك الكثير بمثل ما نسب للطبيب المحبوب عوض دكام من طرائف قالها وأخري نسبت اليه ومن ضمن هذا الذي هو غير موثوق نسب لبامكار وعده لناخبيه بإنشاء كبري ينقلهم مباشرة من بورتسودان إلي مكة و المدينة .. يعني من ديم المدينة و دبايوا مباشرة للسعودية .. و رحم الله الرجلان فقد نالا حب الشعب السوداني وتقديره ..
إذاً من الآن الذي يحاول و من جديد ايقاظ الفكرة وتنفيذها و قد أفلح بالفعل في وضعها علي المنضدة السودانية السعودية المشتركة في هذه المرحلة التي يمر بها السودان ولعلي هنا أعتقد بوجود دور كبير لوزير الخارجية السوداني السفير محي الدين سالم وايضاً السفير دفع الله الحاج علي سفير السودان في المملكة بصفة سفير فوق العادة ومفوض ورئيس البعثة
أقول هذا لمعرفتي بالقدرات الإستثنائية لهذين الرجلين فهما من النوع الذي لا يقنع بممارسة عمله بذات الوتيرة المعتادة لمن يتولي مهمتهما في اي موقع كان ودوماً ما يجنحان بفعلهما لما هو خارج الصندوق و بالفعل مكّنتهما هذه الروح من ترك آثار قوية وايجابية في المواقع التي عبروا بها ..
و المهم في الأمر الآن أن تكون هذه المحاولة تتمتع بكل المعطيات القوية بإرادة من يقفون خلفها كما يجب أن تتمتع بكل الأسباب الموضوعية لمن سيخططون لها و يرسمون مسارات تنفيذ برامجها العاجلة والآنية بأهدافها التي تستصحب تحديات المرحلة الراهنة بقراءة الوضع قراءة جيدة في البلدين وذلك بالدقة اللازمة والذكاء المطلوب الذي يختصر المسافات و الزمن لمعالجة المطلوب معالجته علي وجه السرعة .
ولكن بحرفية عالية وامكانيات بشرية تنفيذية فريدة و مميزة في قدراتها وأدائها وفي ذات الوقت توفير القدرات و العقول الحكيمة والمقتدرة لتحقيق و إنجاز تخطيط إستراتيجي حقيقي يستند علي القراءات العلمية والمنهجية القارئة للحاجات و المفصلة للقدرات و المتوقعة للتطورات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية المستقبلية وفقاً للحالة الإقليمية و التطورات الدولية وهو ما يتطلب في مجمله فقه معرفي عميق يتناسب مع تحقيق الأهداف الإستراتيجية المرجوة من هذا المجلس الذي نظر اليه الجميع برجاءات كبيرة لا يستفيد منها البلدان فقط ولكن الأمر عبارة عن حلم إسلامي – عربي أودعته المناهج الدراسية للمؤسسة التعليمية العربية والإسلامية في أذهان أجيال توالت علي بعضعها البعض و هذا الحلم يداعبها و يدغدغ وجدانها ..
.. ولكن يبدو أن تطورات الوضع الاقليمي و الدولي و هذا الصراع الكبير بين أقطاب العالم من شرقه الي غربه لوضع خارطة جديدة للعالم توجد توزيعاً جديداً للموارد و القدرات والإمكانيات التي تتقاطع فيها الجغرافيا مع الثروات و أدوات النفوذ ووسائل السيطرة العلمية والتكنولوجية الحديثة ..
كل هذا يضع دولتين كالسودان و المملكة السعودية أمام خيار واحد إذا ما أرادا لهما مستقبل بين أتون هذا الصراع الدولي الذي يدخل الآن مرحلة كسر العظام خاصة بين الغرب و الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات التي بدأت الآن تتغير معها علاقات واشنطن علي نحو خطير في مواجهة الشرق المندفع بقوة الصين الإقتصادية المهولة التي تكاد تعلن الآن تجاوزها للاقتصاد الغربي و الأمريكي معاً و أيضاً بطموح روسيا اللامحدود في إعادة أمجاد الإتحاد السوفيتي القديم بحضوره الدولي القوي ..
نعم ليس أمام المملكة السعودية و السودان في إطار علاقتهما المشتركة سوي الدخول الآن وفوراً في مرحلة تعاون استراتيجي حقيقي لتحقيق التكامل الذي يستفيد من قاعدة السودان الموردية الضخمة و التي لازالت كما والعزراء في خدرها مع القدرات الاقتصادية الكبيرة للمملكة السعودية بتجربتها التنموية الناجحة و المتصاعدة في نجاحاتها مع قدراتها المالية الصخمة وهو الوضع الذي يجعل من فكرة العمل الاستراتيجي الاقتصادي بين البلدين فعلاً ذكياً يأتي في وقته تماماً أمام التحديات التي يواجهها العالم في أمنه و استقراره و سلامه فضلاً عن غذائه و نهضته المدنية و الاجتماعية المرجوة ..
يبقي أمر واحد شديد الأهمية و هو ضرورة أن يستصحب الجانبان التجارب السابقة بهدف الوقوف علي أسباب فشلها و إخفاقها .. وفي هذا أذكر لي حواراً تلفزيونياً عبر تلفزيون السودان مع رجل الأعمال السعودي الراحل شيخ صالح صاحب القنوات الفضائية العربية الشهيرة وقد كنت حينها متابعاً لملف الاستثمار السعودي ضمن مهامي كمدير لإدارة الإعلام والعلاقات العامة بالهيئة العامة للاستثمار ..
أظهر الرجل خلال هذا الحوار معرفة وإحاطة بالسودان و امكانياته الاقتصادية و كذا المجتمع السوداني وعلاقته بالمملكة السعودية و أهلها علي نحو تفصيلي دقيق و مدهش إلا أن إشارته المتحسرة إلي فشل التعاون الاقتصادي بين البلدين كانت إشارة فارقة وقد حسبت حينها أن الرجل ومن فرط إخلاصه للفكرة أنه سينفجر باكياً
وقد ختم حديثه بعبارة لا زلت اذكرها لانه قالها ملتفتاً إلي و عينيه نظرة قوية ثاقبة ومباشرة علي عيناي : ( .. يا ولدي لو تم تعاون اقتصادي حقيقي بين السعودية والسودان لأمن هذين البلدين غذاء كل الأمة الإسلامية والعربية بل و لأطعما العالم كله .. نحن ظللنا منذ السبعينات نجاهد لتحقيق هذا التعاون ولكن للأسف لم ننجح إلي الآن .. ) ..
وقد تذكرت لاحقاً هذه العبارة الباكية المتحسرة لشيخ صالح و أنا أشاهد الشيخ الراجحي و هو ينهار باكياً يوم حصاد قمح مشروعه الزراعي بصحبة المهندس أسامة عبد الله محمد الحسن الرجل القوي ( رجل الحرب والسلام والتنمية ) والذي كان له الدور الأكبر و الحاسم في إنجاح هذا المشروع للراجحي في الولاية الشمالية .. بكي يومها الشيخ الراجحي علي نحو لم تفهمه الأجيال الجديدة بقدر ما فهمته و استوعبته و احست به الأجيال التي عاشت زمان التواصل الاجتماعي السوداني – السعودي بصدقه وحميميته قبل حقبة النفط ..
و هذه العاطفة الجياشة بين شعبي البلدين لمستها بقوة من خلال تعاملي المباشر مع الوفود الاستثمارية السعودية التي كنا نتابع ملفاتها و مشروعاتها ضمن عملنا في الهيئة العامة للاستثمار أيام الراحل الرجل المخلص محمد فضل الله عيسي والرجل الكبير الراحل مجذوب الخليفة أحمد في ولاية الخرطوم و بعدها في وزارة الاستثمار الاتحادية التي عملت فيها أيضاً مديراً لإدارة الترويج والإعلام والعلاقات العامة مع الراحل ابن البيت الشريف الشريف أحمد عمر بدر .
وذلك لسنوات كنت فيها لصيقاً بهذه الوفود وقد صحبتها في كل أنحاء السودان شارحاً و واصفاً لها ميدانياً إمكانيات السودان في كافة القطاعات الاستثمارية الزراعية بشقيها النباتي والحيواني والصناعية والمعدنية و كذا قطاع الخدمات الإقتصادية ..
.. هذه التجربة الطويلة والعميقة في النشاط الإستثماري جعلتني أدرك أن العالم الإسلامي العربي قد أهدر فرصة ذهبية حقيقة بفشله في تحقيق استثمار عربي إسلامي يفجر القاعدة الموردية الضخمة للسودان حتي جاءت الآن زمان الأطماع الدولية لنهب هذه الثروات البكر من خلال المؤامرات الهادفة لانهيار هذا القطر الإسلامي العربي الكبير ومن ثم تقسيمه بين هذه القوي المتآمرة ..
والآن يأتي المجلس السعودي السوداني الأعلي للتعاون والتنسيق الاستراتيجي والذي من المقرر إعلانه أول الشهر القادم لإحياء هذه الآمال في وقت عصيب ووضع إقليمي معقد وخطير ووضع دولي مفصلي يتجه فيه العالم ومن جديد إلي خط تقسيم الثروة والنفوذ الذي عنده وبسببه نشبت الحروب العالمية الكبري ..
كما يأتي هذا المجلس في أعقاب الإعلان عن قيام التحالف العسكري الثلاثي بين المملكة السعودية وتركيا والباكستان وهو ما يعني وبالضرورة اقتراب السودان من هذا التحالف القوي بحكم تطور علاقته مع المملكة السعودية كما أن علاقات السودان الأزلية والتاريخية و الاقتصادية والأمنية والعسكرية و الشعبية مع مصر
يعني وبالضرورة أيضاً اقتراب مصر من هذا التحالف الثلاثي القوي خاصة في ظل تطور العلاقات المصرية مع تركيا في كافة المجالات خاصة الجانب الامني والعسكري وقد تفاجأ العالم اخيراً بالمناورات العسكرية بين البلدين هذا فضلاً عن العلاقات التاريخية والثقافية بينهما و تلك العقدية و التاريخية بين الباكستان و الدول الثلاث وتركيا ..
إذا و من جديد يتيح الزمان للسودان والمملكة السعودية بل وللعالم الإسلامي والعربي قاطبة فرصة ذهبية لتنفيذ المشروعات المشتركة التي تعيد لهذه الكتلة مكانتها لتنهض بدورها الكبير لقيادة الإنسانية بمثل ما فعلت ايام زهوها و بهائها و ريادتها ..








