التآكل من الداخل.. قراءة في التحولات الهيكلية لمليشيا الدعم السريع
خارج السطر .. تاج السر محمد علي

التآكل من الداخل.. قراءة في التحولات الهيكلية لمليشيا الدعم السريع
لم تعد الحرب الجارية في السودان مجرد صراع بين قوات مسلحة نظامية وتنظيم متمرد، بل أضحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الكيانات الموازية للأنظمة العسكرية على الصمود أمام متطلبات الاستدامة. إن المتأمل في الواقع الميداني والسياسي لمليشيا الدعم السريع يدرك أنها تعيش اليوم مرحلة دقيقة عنوانها الأبرز هو “التآكل الهيكلي الذاتي”، بعد أن أفضى الضغط العسكري واستطالة أمد المواجهة إلى فضح التناقضات العميقة التي ظلت تطويها بنيتها التأسيسية.
تتبدى أولى ملامح هذا التآكل في أزمة القيادة والمركزية؛ إذ أدى تواري القيادة الرمزية وغياب التوجيه الميداني المباشر إلى تشكل فراغ قيادي واسع. هذا الفراغ لم يكتفِ بإشعال صراع مكتوم بين أجنحة التنظيم المتعددة — بين جناح عائلي مالي متمسك بالسيطرة، وقيادات ميدانية ترى أنها تتحمل الفاتورة البشرية على الأرض دون أن تملك حق القرار السياسي .

بل تسبب في تحول التنظيم من قوة متماسكة ذات قيادة موحدة إلى قطاعات ومجاميع شبه منفصلة. لقد فرض الانقطاع المستمر لخطوط الإمداد والتواصل المركزي على هذه القطاعات الاعتماد على منهج “التغذية الذاتية”، وهو ما يفسر طغيان السلوك النهبي والجبايات العشوائية كآلية أساسية للبقاء.
وعلى المستوى الاجتماعي والعسكري، تشهد المليشيا تآكلاً متسارعاً في قاعدتها الصلبة. لقد بدأت الحواضن الاجتماعية التقليدية تستشعر فادحة الكلفة البشرية وأثر الصراع الكارثي على مستقبل مكوناتها، مما أدى إلى بروز ظاهرة انسحاب التعيينات القبلية وانفضاض التكتلات التي أمدتها بالوفير من الكوادر.
ولترميم هذا النزيف البشري المستمر، لجأت المليشيا إلى الاستعانة المكثفة بالمرتزقة من دول الجوار والعناصر غير الانضباطية، وهو إجراء وإن رمم النقص العددي مؤقتاً، إلا أنه دمر العقيدة القتالية للمجموعة وفاقم من وتيرة الانتهاكات والممارسات الميدانية غير المنضبطة بحق المدنيين.
تكتمل هذه اللوحة بالتراجع الحاد في الغطاء السياسي؛ إذ أجهضت الوقائع الميدانية والجرائم الموثقة كل محاولات التسويق لـ “مشروع بديل للدولة” أو إلباس المليشيا ثوب “حامية الديمقراطية”. لقد أدى الانتهاك المتواصل للكرامة الوطنية والبنية التحتية إلى تجريد المليشيا من أي شرعية أخلاقية أو سياسية أمام الرأي العام الداخلي والمحيط الدولي على حد سواء، مما وضع بواقي الواجهات السياسية المساندة لها في عزلة واستحالة تسويق.
إن القراءة المتأنية لمسار الصراع تؤكد أن المليشيا تتجه بخطى حثيثة نحو التفكك الداخلي؛ فالصدمات العسكرية لم تعد وحدها ما يهدد بقاءها، بل إن غياب المؤسسية، وتشظي مراكز القرار، وانفضاض الحاضنة الاجتماعية، تشكل جميعها كوابح ذاتية تجعل من استمرارها ككتلة واحدة أمراً مستحيلاً.








