
وجدي الكردي يكتب: حُمى الريلة
لا ينكرنّ ناكر، ولع السودانيين بالرقص ومتعلقاته من دلّوكة وشتم وربابة، حتى قال عنهم إبن خلدون في مقدمته قبل. نحو 650 سنة: “رأينا من خُلق السودان على العموم، الخفة والطيش وكثرة الطرب. فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع..”.
وروى محمد بن عمر التونسي قبل 200 سنة في “تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان”، إنه شاهد حلقة رقص صوفي بديع في دارفور، شاركت فيه النساء مع الرجال، رقبة بكتف، وكتفاً بمُكاءٍ وتصدية.

في سيرة المُلهم الأول لأمة الأمجاد والرقص العريق، تناول محمد النور ضيف الله في طبقاته الشهيرة، شخصية إسماعيل الدقلاشي. أو إسماعيل صاحب الربابة الذي اعتبره د. محمد عبد الحي “شخصية أسطورية خرجت من رحم الثقافة والخيال الجماعي للأمة السودانية”.
جمع الدقلاشي بين كل المتضادات. كان ذاكراً وعابداً وعاشقاً وفاسقاً وبتاع كلو، كما أورد معاوية يس في سفره “الغناء والموسيقى في السودان”.
كان صاحب الربابة حين “تقوم عليهو الحالة”، يجمع الفتيات والفتيان في داره ويغنّي.. وحين ينقر الدقلاشي على ربابته “يفيق منها المجنون وتُذهل منها العقول وتطرب لها الحيوانات والجمادات، حتى إنّ الربابة يضعونها في الشمس، وأول ما تسمع صوت الدقلاشي، تعزف لوحدها دون تدخل من أحد”.
يُحكى أنّ الدقلاشي المطموس، عشق زوجة رجل مسكين، من غمار شعب دولة سنار، اسمها “تَهْجَة”. وصف ثغرها وعنقها ورقصها بفُحش وصعلكة، فخشي زوج الست من ربابة الدقلاشي ولسانه السافل، فجمع أغراضه وهاجر بعروسه إلى مملكة تقلي!
خلّي بالك..
باظت حياة الشايقية في أعقاب صدور المنشور (الدستوري) الرابع للدولة المهدية، وهو ما يمكن تعريفه بأول قانون نظام عام في السودان، واشتمل على تحريم تدخين السجاير وسف التمباك واجتراع المريسة في الحواني، واعتبار مقالدة الرجال للنساء بوضع الكف على الكتف عند التحية والسلام.. (اتصالاً غير شرعياً)، يُوجب الصوم شهرين متتابعين وأكل (100) سوط على الجسد كيفما أتفق!
بعد صدور المنشور، باظت حياة الشايقية وصارت نكداً على نكد، خاصة مع دور النساء المتعاظم في الزراعة والرعي، ما دعا شاعرهم لهجاء العصر المهدي اليطال بقوله:
“يا مهدية حُكمك ما بِقَالي/ سُوّيتي (…) في راس الدَلالي/ يطير أبْ رُقعة يسكُن في الضَهاري/ ويجي التُمباك مُحمّل بالرّحالي/ ونشِق السُّوق ونَلعب في السِجاري/ ونطير ننْدق نَصفّق للعَسَالي/ ويجينا أبْ زِر مارْ فوق الأهالي”.








